تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

وصيام الأبد نوع من التصوف كان موجودا قبل النبي، ولولا ذلك ما نهى عنه، وكان الذين يصومون الأبد يحيون سنة جاهلية يحسبونها من كمال الدين.

وليس ما يمنع أن يكون التصوف عرف في الجاهلية باسمه ورسمه ثم كانت له رجعة في الإسلام، فذلك مصير كثير من الآراء الأدبية والدينية والاجتماعية.

والفرض الثاني أن يكون الصوفي منسوبا إلى الصوف، وقد تعقبنا هذا الفرض فرأيناه أصح الفروض وإن استضعفه الألوسي،

11

ولتأييد هذا الفرض شواهد كثيرة جدا قيدناها في مطالعاتنا، وسنكتفي منها بالمهم في هذا الباب.

فقد حدث اليافعي أن لباس الصوف كان غالبا على المتقدمين من سلف الصوفية لكونه أقرب إلى الخمول والتواضع والزهد؛ ولكونه لباس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد جاء أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

كان يركب الحمار ويلبس الصوف، وعنه

صلى الله عليه وسلم

أنه قال: «مر بالصخرة من الروحاء سبعون نبيا حفاة عليهم العباء يؤمون البيت الحرام». وعنه

صلى الله عليه وسلم

أنه قال: «يوم كلم الله تعالى موسى عليه السلام كان عليه جبة من صوف وسراويل من صوف وكساء من صوف». وقيل: إن عيسى عليه السلام كان يلبس الصوف والشعر ويأكل من الشجر ويبيت حيث أمسى. وقال الحسن البصري (رضي الله عنه): لقد أدركت سبعين بدريا كان لباسهم الصوف.

12

وهذا الكلام صريح في أنه كان مفهوما أن الأنبياء والصالحين كانوا يؤثرون لبس الصوف.

وروي عن النبي أنه قال: «من لبس الصوف، وأكل خبز الشعير، وركب الأتان؛ فليس فيه شيء من الكبر».

13

وروي عنه أنه قال: «البسوا الصوف وشمروا وكلوا في أنصاف البطون تدخلوا في ملكوت السماء».

14

ويؤيد هذين الأثرين ما جاء في مرثية عمر لرسول الله إذ قال:

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد اتبعك في قلة سنك، وقصر عمرك، ما لم يتبع نوحا في كثرة سنه، وطول عمره، ولقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل. بأبي أنت وأمي يا رسول الله لو لم تجالس إلا كفؤا لك ما جالستنا، ولو لم تنكح إلا كفؤا لك ما نكحت إلينا، ولو لم تواكل إلا كفؤا ما واكلتنا، فلقد والله جالستنا ونكحت إلينا وواكلتنا، ولبست الصوف، وركبت الحمار، وأردفت خلفك، ووضعت طعامك على الأرض، ولعقت أصابعك؛ تواضعا منك.

15

وهذا النص على جانب عظيم من الأهمية، ومن المحتمل أن يكون الصوفية لبسوا الصوف أول الأمر ليصح لهم الاقتداء بتواضع الرسول، ولا سيما إذا تذكرنا أن الرسول أقبل على أهل الصفة فواساهم، ولم يكن عندهم غير جباب الصوف.

16

والصوف قديما كان مظهر التخشن والتقشف، وقد وصفوا ابن أدهم بأنه حمل جلده على ضعفه خشونه الصوف،

17

وأخذوا على المرائين أنهم يعذبون أنفسهم بلبس الصوف،

18

وحدث المبرد أن محمد بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك قال: قال أبي لأبيه يحيى بن خالد بن برمك - وهم في القيود والحبس: يا أبت! بعد الأمر والنهي والأموال العظيمة أصارنا الدهر إلى القيود ولبس الصوف والحبس».

19

فلبس الصوف هنا علامة الذل وسوء الحال، وفي هذا المعنى قول أبي تمام في تقلب الزمان:

كانوا برود زمانهم فتصدعوا

فكأنما لبس الزمان الصوفا

20

وقول أبي فراس يخاطب سيف الدولة بن حمدان:

يا واسع الدار كيف توسعها

ونحن في صخرة نزلزلها

يا ناعم الثوب كيف تبدله

ثيابنا الصوف ما نبدلها

21

وقول الشريف الرضي يصف أباه بالوقار:

ما التذ لبس الصوف إلا

من تعمم بالقتير

متخدد الخدين مغبر

الذوائب والضفور

أسر الوقار طماحه

والقد أملك بالأسير

وكان مكتوبا على أحد جوانب دير هند:

إن بني المنذر عام انقضوا

بحيث شاد البيعة الراهب

تنفح بالمسك ذفاريهم

وعنبر يقطبه القاطب

والقز والكتان أثوابهم

لم يجب الصوف لهم جائب

22

ومعنى هذا أن لبس الصوف كان يعيب المياسير.

وفي مثل هذا ما حدثوا أن إبراهيم بن أدهم كان من أبناء الملوك فخرج يوما متصيدا فأثار ثعلبا أو أرنبا وهو في طلبه، فهتف به هاتف: يا إبراهيم! ألهذا خلقت؟ أم بهذا أمرت؟ ثم هتف به أيضا من قربوس سرجه: والله ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت، فنزل عن دابته وصادف راعيا لأبيه، فأخذ جبة الراعي من صوف ولبسها وأعطاه فرسه وما معه، ثم دخل البادية.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٨