تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخامس:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليجعل ذلك شكرا لنعمة القوة والتقوى، اللتين وهبهما المولى له، فمن أمكنه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بحيث لا يصل إليه أذى في نفسه، أو عرضه، أو ماله، فهو ممن مكن له في الأرض، والوجوب متعلق به، وإن كان لا يصل إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالأذى سقط عنه الوجوب.

السادس:

أن يكون مشيه بالسكينة والوقار، لقوله تعالى:

وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما

وليس ذلك خاصا بالمشي، بل المطلوب منك أن تكون أفعالك كلها تقارنها السكينة ويلازمها التثبيت.

السابع:

أن يذكر الله تعالى في سوقه، فإنه قد جاء عنه

صلى الله عليه وسلم : ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل بين الفارين،

8

ذاكر الله في السوق كالحي بين الموتى.

الثامن:

ألا يشغله ما هو فيه من المبايعة عن النهوض إلى الصلاة في أوقاتها جماعة؛ لأنه إذا ضيعها اشتغالا بسببه، استوجب المقت من ربه، ورفع البركة من كسبه.

التاسع:

ترك الحلف والإطراء لسلعته، فقد قال

صلى الله عليه وسلم : التجار هم الفجار إلا من بر وصدق.

العاشر:

كف لسانه عن الغيبة والنميمة، وليعلم أن السامع للغيبة أحد المغتابين، فإن اغتيب أحد بحضرته فلينكر عليه، فإن لم يسمع منه فليقم، ولا يمنعه الحياء من الخلق من القيام بحق الملك الحق.

9

ثم قال ابن عطاء الله: وعليك أيها المؤمن بغض طرفك من حين خروجك إلى سببك إلى حين ترجع، ولتذكر قول الله تعالى:

قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم

وليعلم أن بصره نعمة من الله عليه، فلا يكن لنعم الله كفورا، وأمانة من الله عنده فلا يكن لها خائنا.

10

آداب التسبب

وابن عطاء الله لا يرى التسبب مما ينافي التوكل، ويقول في ذلك: انظر إلى قوله

صلى الله عليه وسلم : (لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا) تراه يدل على الأمر بالتوكل على الله تعالى لا على نفي الأسباب، بل يدل على إثباتها لقوله

صلى الله عليه وسلم : «تغدو خماصا وتروح بطانا»، فقد أثبت لها غدوها ورواحها، وهو سببها، ونفى عنها الادخار.

11

الادخار

وابن عطاء الله لا ينكر الادخار في جميع الأحوال، وإنما ينكر ما يقع منه بخلا واستكثارا، ومباهاة وافتخارا، وهو يقبل ادخار المقتصدين وهم الذين لم يدخروا استكثارا ولا مباهاة ولا افتخارا، وإنما علموا من نفوسهم الاضطراب عند الفقر فعلموا أنهم إن لم يدخروا تشوش عليهم إيمانهم، وتزلزل إيقانهم، فادخروا لضعفهم عن حال المتوكلين، وعلما منهم بعجزهم عن مقام اليقين. وهناك طبقة ثالثة، هم السابقون، وادخارهم ليس لأنفسهم، ولكنه ادخار أمانة، فإن أمسكوا الدنيا أمسكوها بحق، وإن بذلوها بذلوها بحق، وليس الممسك لها بحق بدون الباذل لها بحق.

11

رأي الغزالي في المال

والغزالي يرى المال كالحية: يأخذها الراقي ويستخرج منها الترياق ويأخذها الغافل فيقتله سمها من حيث لا يدري، ولا ينجو أحد من سم المال إلا بالمحافظة على خمس وظائف:

الأولى:

أن يعرف المقصود من المال: فلا يحفظ منه إلا قدر الحاجة ولا يعطيه من همته فوق ما يستحقه.

الثانية:

أن يراعي جهة دخل المال فيجتنب الحرام المحض، وما يغلب عليه الحرام كأموال الحكام الظالمين، ويجتنب الجهات المكروهة التي تقدح في المروءة كالهدايا التي فيها شوائب الرشوة، وكالسؤال الذي فيه الذلة وهتك المروءة.

الثالثة:

أن يراعي في كسبه مقدار حاجته في الملبس والمسكن والمطعم.

الرابعة:

أن يقتصد في الإنفاق غير مقتر ولا مبذر.

الخامسة:

أن يصلح نيته في الأخذ والترك، والإنفاق والإمساك؛ لأن حسن النية هو الأساس.

12

الدعوة إلى الفقر

إلى هنا رآنا القارئ نحتال في صياغة هذا الفصل، وإنما كان الأمر كذلك لأننا أردنا أن ننطق الصوفية بالدعوة إلى المال والادخار. والحق أنهم غرباء في هذا الميدان، فالتصوف الإسلامي هو في حقيقته ظل من ظلال المسيحية، هو هرب مطلق من الدنيا ومن الجاه ومن المال، ولا يدعو إلى الغنى إلا طبقة ضئيلة من الصوفية، ومن أجل هذا كان خطرهم شديدا على الأخلاق ... الصوفية جنوا على المسلمين أبشع جناية حين حببوا إليهم الزهد وبغضوا إليهم المال، الصوفية هم الذين جعلوا المسلمين آخر الشعوب، وهم الذين قضوا عليهم بالاستعباد، وهم الذين أوردوهم موارد الذل والضيم والهوان.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٨٨