تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك كلام ابن عطاء الله في (التنوير)

5

وهو في (الحكم) يدعو المريد إلى أن يقيم حيث أقامه الله

6

ولا تناقض بين الفكرتين؛ لأنه مع استواء التجرد والتسبب يرى قيام المتجرد أعلى وأكمل.

ونحن لا نرتضي هذا الرأي، ولكن من نحن؟ نحن نرى التسبب فرصة ذهبية؛ لأنه يعرض النفس للمحن ويروضها على البلاء. ولا تعرف قيمة الخلق إلا عند الاتصال بالناس، والأدب مع الناس موصول الأواصر بالأدب مع الله؛ لأننا لا نحب العدل والإنصاف إلا لنتخلق بأخلاق الله، ولا نبغض الجور والظلم والعسف إلا ابتغاء مرضاة الله، والمتجرد لا يتعرض لشيء من ذلك، هو رجل خلت دنياه من أسباب الشقاق والنزاع منذ سلمت نفسه من بلايا الأحذ والعطاء. ويمكن الفصل في هذه القضية بأن تفضل التجرد حين نخشى على أنفسنا الضعف عن رعاية الحقوق، ونفضل التسبب حين نرى في عزائمنا من القوة والصلابة ما ندوس به على المطامع الدنيئة التي تستهوي من يطلبون الأرزاق.

هل المتجرد والمتسبب في رتبة واحدة؟

ولكن ما هو التجرد المحمود؟ وما هو التسبب المحمود؟

لقد وضع ابن عطاء الله في ذلك رسالة طريفة سماها التنوير في إسقاط التدبير، وهي رسالة ممتعة من الوجهة الأدبية والصوفية؛ لأنها حوت فقرات كثيرة مما أنشأ الصوفية في الدعوة إلى التخلق بكرائم الخلال.

وإليك خلاصة ما وضعه لآداب التجرد:

الأول:

علمك بسابق تدبير الله فيك، وذلك أن تعلم أن الله كان لك قبل أن تكون لنفسك، فكما كان لك مدبرا قبل أن تكون ولا شيء من تدبيرك معه، كذلك هو سبحانه مدبر لك بعد وجودك، فكن له كما كنت له يكن لك كما كان لك.

الثاني:

أن تعلم أن التدبير منك لنفسك جهل منك بحسن النظر لها.

الثالث:

علمك بأن القدر لا يجري على حسب تدبيرك، بل أكثر ما يكون ما لا تدبر، وأقل ما يكون ما أنت له مدبر.

الرابع:

علمك بأن الله تعالى هو المتولى لتدبير مملكته: علوها وسفلها، غيبها وشهادتها، وكما سلمت له تدبيره في عرشه، وكرسيه، وسماواته، وأرضه، فسلم له تدبيره في وجودك إلى هذه العوالم.

الخامس:

علمك بأنك ملك لله، وليس لك تدبير ما هو لغيرك. فما ليس لك ملكه ليس لك تدبيره.

السادس:

علمك بأنك في ضيافة الله؛ لأن الدنيا دار الله، وأنت نازل فيها عليه، ومن حق الضيف أن لا يعول هما مع رب المنزل.

السابع:

نظر العبد إلى قيومية الله تعالى في كل شيء، فإذا علم العبد قيومية ربه وقيامه عليه، ألقى قياده إليه، وانطرح الاستسلام بين يديه.

الثامن:

اشتغال العبد بوظائف العبودية، فإذا توجهت همته إلى رعاية عبوديته شغله ذلك عن التدبير لفسه.

التاسع:

أن تعلم أنك عبد مربوب، وحق العبد أن لا يعول هما مع سيده مع اتصافه بالإفضال وعدم الإهمال، فإن الروح مقام العبودية الثقة بالله والاستسلام إلى الله.

العاشر:

عدم علمك بعواقب الأمور، فربما دبرت أمرا عظيما ظننت أنه لك فكان عليك، وربما أتت الفوائد من وجوه الشدائد، والشدائد من وجوه الفوائد، والأضرار من وجوه المسار، والمسار من وجوه الأضرار وربما كمنت المنن في المحن، والمحن في المنن، وربما انتفعت على أيدي الأعداء وأرديت على أيدي الأحباب.

7

آداب التجرد

أما المتسبب فتجب عليه مراعاة الآداب الآتية:

الأول:

ربط العزم مع الله قبل الخروج من المنزل على العفو عن المسيئين إليه، إذ الأسواق محل المخاصمة والمقاولة، فيكون كأبي ضمضم الذي كان إذا خرج من بيته قال: اللهم إني تصدقت بعرضي على المسلمين.

الثاني:

أن يتوضأ ويصلي قبل خروجه ويسأل الله السلامة في مخرجه ذلك؛ فإنه لا يدري ماذا يقضي عليه.

الثالث:

ينبغي له إذا خرج من منزله أن يستودع الله أهله ومسكنه وما فيه، فإنه قادر على أن يحفظ ذلك عليه.

الرابع:

يستحب له إذا خرج من منزله أن يقول: باسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. فإن ذلك يوئس منه الشيطان.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٨٧