تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قال: ولو لم يقل أبو الشيص في عمره بل لو لم يقل أحد من أهل عصره غير هذه الأبيات لكانوا غير مقصرين، وإذا كانت كل خواطر العاشق فيما يتمناه واقعة ممن يهواه على الأمر الذي يرضاه، فهذه هي المشاكلة الطبيعية التي لا يفنيها مر الزمان، ولا تزول إلا بزوال الإنسان، وإذا صح هذا المذهب لم يعجب من أن يميل الإنسان إلى الإنسان بخلة أو خلتين، فإذا زالت العلة زال الهوى، فلا يزال المرابط متنقلا إلى أن يصادف من يجتمع فيه هواه فحينئذ يرضاه فلا ينعطف عنه إلى أحد سواه.

وليس من المستبعد أن يكون الصوفية هم الذين أخذوا المقامات والأحوال عن المحبين، فالحب الحسي يقع أولا، ويجيء الحب الروحي ثم الإلهي ثانيا. والعرب حين قالوا (تيم اللات) أو (تيم الله) إنما نقلوا التتيم من المحسوس إلى المعقول، فشبهوا الحب الروحي بالحب الحسي؛ لأن المحسوس أقوى في الظهور من المعقول.

وقد ظل الحب الحسي مقياسا للصدق، حتى صح لأحدهم أن يقول:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه

هذا لعمري في القياس بديع

لو كان حبك صادقا لأطعته

إن المحب لمن يحب مطيع

| التجريد والأسباب

رأينا عند الصوفية مقامات الفقر والورع والزهد. ولكن لا بد من النص على آرائهم في الفقر والغنى؛ لأن لذلك صلة وثيقة بمذاهبهم الأخلاقية في طرائق المعاش. ونبادر فنذكر أن التصوف يسمى الفقر، والصوفية يسمون الفقراء، وهذا وحده كاف لتعيين مسالكهم في الحياة.

والانقطاع بالكلية إلى الله يسمى التجرد، وطلب الرزق يسمى التسبب، وهذه الكلمة الثانية لا تزال حية، والعوام في مصر يقولون (رجل متسبب) وربما سموا ما يتجرون به سببا، وقد يقولون فيمن يبحث عن الرزق: أخذ في الأسباب.

ما هو التجرد وما هو التسبب

والصوفية لا يؤثرون الفقر لذاته، وإنما يؤثرونه لما فيه من صرف النفس عن الشواغل الدنيوية التي تبعد المرء من الله. وهم حين يدعون إلى جمع المال ينصون على أنه لا يطلب لذاته، وإنما يطلب للأغراض الآتية:

الأول:

أن ينفقه المرء على نفسه: إما في عبادة أو في الاستعانة على عبادة، أما في العبادة فهو كالاستعانة به على الحج والجهاد، وأما فيما يقويه على العبادة فذلك هو المطعم والملبس والمسكن، وما إلى ذلك من ضرورات العيش؛ لأن هذه الشؤون إذا لم تتيسر كان القلب مصروفا إلى تدبيرها فلا يتفرغ للدين.

الثاني:

ما يصرفه في الصدقة والمروءة ووقاية العرض وأجرة الاستخدام. ومن وقاية العرض في رأيهم بذلك المال لدفع هجو الشعراء وثلب السفهاء، وقطع ألسنتهم ودفع شرهم

1

وفي وقاية العرض صرف للناس عن رذيلة الاغتياب، وليس من الإسراف أن يكون للرجل خدم؛ لأن قيامه بجميع شؤونه قد يعطل عليه أوقاته فلا يتفرغ لعبادة الله على الوجه المقبول.

الثالث:

ما ينفقه للخير العام كبناء المساجد والملاجئ والمستشفيات.

2

تلك فضائل المال من الوجهة الدينية، ولا بأس بأن يحمد المتصوف ما في المال من الحظوظ الدنيوية: كالخلاص من ذل السؤال وحقارة الفقر والوصول إلى العز والمجد بين الخلق وكثرة الإخوان والأعوان والأصدقاء والوقار والكرامة في القلوب.

3

وفي تحرير ذلك يقول ابن عطاء الله: اعلم أن الأشياء إنما تذم وتمدح بما تؤدي إليه، فالتدبير المذموم ما شغلك عن الله، وعطلك عن القيام بخدمة الله، وصدك عن معاملة الله. والتدبير المحمود هو ما ليس كذلك مما يؤديك إلى القرب من الله، ويوصلك إلى مرضاة الله. وكذلك الدنيا ليست تذم بلسان الإطلاق ولا تمدح كذلك، وإنما المذموم منها ما شغلك عن مولاك، ومنعك الاستعداد لأخراك.

4

الأغراض التي يطلب من أجلها المال

وليس معنى هذا أن المتسبب والمتجرد في رتبة واحدة. لا ليس الأمر كذلك، ولن يجعل الله من تفرغ لعبادته وشغل أوقاته به كالداخل في الأسباب، ولو كان فيها متقيا، فالمتسبب والمتجرد إذا استوى مقامهما من حيث المعرفة بالله فالمتجرد أفضل.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٨٦