42
وأهل الأنس في الأنس على ثلاثة أحوال: فمنهم من أنس بالذكر واستوحش من الغفلة، وأنس بالطاعة واستوحش من الذنب. ويفسر هذا قول سهل بن عبد الله: أول الأنس من العبد تأنس النفس والجوارح بالعقل، ويأنس العقل والنفس بعلم الشرع، ويأنس العقل والنفس والجوارح بالعمل لله خالصا فيأنس العبد بالله، أي يسكن إليه
42
والحال الثاني: أن يأنس العبد بالله ويستوحش مما سواه من العوارض والخواطر الشاغلة، ويفسره قول ذي النون وقد قيل له: ما علامة الأنس بالله؟ فقال: إذا رأيته يؤنسك بخلقه فإنه هو ذا يوحشك من نفسه، وإذا رأيته يوحشك من خلقه فهو ذا يؤنسك بنفسه.
43
والحال الثالث: هو الذهاب عن رؤية الأنس بوجود الهيبة والقرب والتعظيم مع الأنس. وسئل الشبلي عن الأنس فقال: وحشتك منك ومن نفسك ومن الكون.
44
حال الأنس
والأنس بالله يقتضي الطمأنينة، وهي ضروب: طمأنينة العوام الذين إذا ذكروا ربهم اطمأنوا إلى ذكرهم له، فحظهم منه الإجابة للدعوات باتساع الرزق ودفع الآفات، وطمأنينة الخواص الذين يرضون بقضاء الله ويصبرون على بلائه، وطمأنينة خواص الخواص وهم الذين علموا أن سرائرهم لا تقدر أن تطمئن إليه هيبة وتعظيما؛ لأنه ليس له غاية تدرك، وليس وليس كمثله شيء.
45
حال الطمأنينة
والطمأنينة تقتضي المشاهدة، وهي وصل بين رؤية القلوب ورؤية العيان، وتتمثل في مشاهدة الأشياء بأعين الفكر، وأشرف أحوالها أن تشاهد قلوب العارفين مشاهدة تثبيت فيكونوا حاضرين غائبين وغائبين حاضرين على انفراد الحق في الغيبة والحضور، فيشاهدوه ظاهرا وباطنا وآخرا وأولا.
46
حال اليقين
والمشاهدة تقتضي حال اليقين، واليقين هو ارتفاع الشك، وليس لزياداته نهاية، وكلما تفقه المريدون في الدين ازدادوا يقينا إلى يقين، ونهاية اليقين تحقيق التصديق بالغيب بإزالة كل شك وريب.
47
درجات العشق ونقلها إلى التصوف
إلى هنا عرف القارئ صورا من المقامات والأحوال، ورأى كيف تمثل هذه النوازع فهم الصوفية للحياة الخلقية. ولنقرر أننا اعتمدنا في هذا البحث على كتاب اللمع وكتاب قوت القلوب، وبين هذين الكتابين تفاوت قليل في فهم المقامات والأحوال، فما يكون حالا عند هذا قد يكون مقاما عند ذاك.
أما تقسيم بعض المقامات أو الأحوال إلى درجات ثلاث، فهو من صنع الطوسي في اللمع، ومن واجبنا أن ننبه القارئ إلى أن هذا التقسيم لا يعدو حدود التقريب، فالنفس قد يكون لها في الحال الواحد مئات من الأشكال، وقد يتقلب القلب في اللحظة الواحدة إلى ضروب مختلفة من الأنس واليقين، وتلك وثبات روحية لا يعلم تصرفها غير علام الغيوب.
ولنشر في ختام هذا الفصل إلى رأي المسيو ماسينيون في مقامات العشق، وهو يرى أن العشاق نقلوا أحوال الحب عن الصوفية، ومن أمثلة ذلك قول محمد بن داود: «إن الأحوال التي تتولد عن السماع والنظر مختلفة ولها مراتب: فأول ما يتولد عن النظر والسماع الاستحسان، ثم يقوى فيصير مودة، والمودة سبب الإرادة، فمن ود إنسانا ود أن يكون له خلا، ومن ود غرضا ود أن يكون له ملكا. ثم تقوى المودة فتصير محبة، ثم تقوى المحبة فتصير خلة، ثم تقوى الخلة فتوجب الهوى، ثم يقوى الهوى فتصير عشقا، ثم يزداد العشق فيصير تتيما، ثم يزداد التتيم فيصير ولها. والشوق تابع لكل واحدة من هذه الأحوال، والمستحسن يشتاق إلى ما يستحسنه على قدر محله من نفسه، ثم كلما قويت الحال قوي معها الاشتياق».
48
والواقع أن الحب الذي يفهمه ابن داود هو ذاته نزعة صوفية، فقد وقف عند قول أبي الشيص:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي
متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة
حبا لذكرك فليلمني اللوم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم
إذ كان حظي منك حظي منهم
وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا
ما من يهون عليك ممن أكرم