36
وكانت رابعة العدوية من المحبين، سألها النوري فقال: لكل عبد شريطة ولكل إيمان حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ فقالت: ما عبدت الله خوفا من الله فأكون كالأمة السوء إن خافت عملت، ولا حبا للجنة فأكون كأمة السوء إن أعطيب عملت، ولكني عبدته حبا له وشوقا إليه.
37
وخطبها محمد بن سليمان أمير البصرة على مئة ألف وقال: لي غلة عشرة آلاف في كل شهر أدفعها إليك، فكتبت إليه: ما يسرني أنك لي عبد وأن كل ما تملكه لي، وأنك شغلتني عن الله طرفة عين.
38
ولها أبيات في معنى المحبة رواها كبار الرجال من القوم:
أحبك حبين حب الهوى
وحبا لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى
فشغلي بذكرك عمن سواكا
وأما الذي أنت أهل له
فكشفك للحجب حتى أراكا
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي
ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
ولننظر شرح المكي لهذه الأبيات؛ لأنه يصور فهم الصوفية للحب، وهو يستكثر أن يدركه من لا ذوق له ولا قدم له فيه، ويقول في معنى حب الهوى: «إني رأيتك فأحببتك عن مشاهدة عين اليقين، لا عن خبر وسمع وتصديق من طريق النعم والإحسان فتختلف محبتي إذا تغيرت الأفعال لاختلاف ذلك علي، ولكن محبتي من طريق العيان فقربت منك، وهربت إليك، واشتغلت بك وانقطعت عمن سواك، وقد كانت لي قبل ذلك أهواء متفرقة، فلما رأيتك اجتمعت كلها فصرت أنت كلية القلب وجملة المحبة فأنسيتني ما سواك، ثم إني مع ذلك لا أستحق على هذا الحب ولا أستأهل أن أنظر إليك في الآخرة على الكشف والعيان في محل الرضوان؛ لأن حبي لك لا يوجب عليك جزاء عليه، بل يوجب علي في كل شيء لك كل شيء مما لا أطيقه، ولا أقوم بحقك فيه أبدا، إذ كنت قد أحببتك فلزمني خوف التقصير، ووجب علي الحياء من قلة الوفاء، فتفضلت علي بفضل كرمك، وما أنت له أهل من تفضلك، فأريتني وجهك عندك آخرا كما أريتنيه اليوم عندي أولا، فلك الحمد على ما تفضلت به في ذا عندي في الدنيا ولك الحمد على ما تفضلت به في ذاك عندي في الآخرة، ولا حمد لي في ذا ههنا ولا حمد لي في ذاك هناك، إذ كنت إنما وصلت إليهما بك، فأنت المحمود فيهما لأنك وصلتني بهما».
39
وهذا التفسير يدل على أن الصوفية لا يقفون في فهم الحب عند المعاني الفطرية، ولكنهم يتوغلون فيعللون ويحللون ويصبغون الحب بصبغة الفكر والعقل، فهم ينظرون إلى الحب نظرة فلسفية ويضيفونه إلى دقائق المشكلات العقلية.
حال الحب
ويتصل بحال الحب حال الشوق، وقد روى عنه
صلى الله عليه وسلم
أنه كان يقول في دعائه: أسأكل لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك. ولذة النظر إلى وجه الله تعالى في الآخرة، والشوق إلى لقائه في الدنيا .
40
وسئل بعضهم عن الشوق فقال: هيمان القلب عند ذكر المحبوب، وقال آخر: الشوق نار الله تعالى أشعلها في قلوب أوليائه حتى يحرق بها ما في قلوبهم من الخواطر والإرادات والعوارض والحاجات
41
وأهل الشوق في الشوق على ثلاثة أحوال: فمنهم من اشتاق إلى ما وعد الله تعالى لأوليائه من الثواب والكرامة والفضل والرضوان، ومنهم من اشتاق إلى محبوبه من شدة محبته، وتبرمه ببقائه شوقا إلى لقائه، ومنهم من شاهد في قرب سيده أنه حاضر لا يغيب، فتنعم قلبه بذكره، وقال: إنما يشتاق إلى غائب وهو حاضر لا يغيب، فذهب بالشوق عن رؤية الشوق فهو مشتاق بلا شوق، ودلائله تصفه عند أهله بالشوق وهو لا يصف نفسه بالشوق.
41
وهذا نظر دقيق، فقوة الحب تذهل المحب عن إدراك حال الشوق؛ لأن التفكير في المحبوب ليس إلا من أحوال أهل البدايات في الحب، فإذا امتزجت الأرواح نسي الحب ونسي الشوق.
حال الشوق
أما حال الأنس فلا يمكن التعبير عنه بأكثر من قول الطوسي: معنى الأنس بالله الاعتماد عليه والسكون إليه والاستعانة به
41
ومن شواهده ما روي أن مطرف بن عبد الله كتب إلى عمر بن عبد العزيز: «ليكن أنسك بالله وانقطاعك إليه، فإن لله تعالى عبادا استأنسوا بالله فكانوا في وحدتهم أشد استئناسا من الناس في كثرتهم، وأوحش ما يكون الناس آنس ما يكونون، وآنس ما يكون الناس أوحش ما يكونون».