ولا ننكر أن الصوفية استطاعوا تزيين هذه الشخصيات، فقد قال أبو علي الروزباري: سألني أبو بكر الدقاق فقال: يا أبي علي، لم ترك الفقراء أخذ البلغة في وقت الحاجة؟ فقلت: لأنهم مشغولون بالمعطى عن العطاء، فقال: نعم، ولكن وقع لي شيء آخر، فقلت: هات أفدني ما وقع لك. فقال: لأنهم قوم لا ينفعهم الوجود إذ الله فاقتهم، ولا تضرهم الفاقة إذ الله وجودهم.
31
وهذا كلام طريف، ولكن يجب أن تقف طرافته عند هذا الحد فلا تتعداه إلى وضع القواعد الخلقية، وإلا سادت الفوضى وعم الكسل والجمود.
32
مقام الورع
ومن المقامات الشريفة مقام الورع، وهو ملاك الدين، ومن الصوفية من يتورع عن الشبهات، وهي ما بين الحرام البين والحلال البين وما لا يقع عليه اسم حلال مطلق ولا اسم حرام مطلق فيكون بين ذلك
33
ومنهم من يتورع عما يقف عنه قلبه ويحيك في صدره، وهذا لا يعرفه إلا أرباب القلوب، وهناك ورع العارفين والواجدين، وهم الذين يرون أن كل ما يشغلك عن الله فهو مشئوم عليك.
34
ومن أشرف ما قيل في الورع قول أبي سعيد الخراز: الورع أن تتبرأ من مظالم الخلق ومن مثاقيل الذر حتى لا يكون لأحدهم قبلك مظلمة ولا دعوى ولا طلبة.
35
وهذا رأى سديد، فنحن في الأغلب ننسى حقوق الناس، وهي كثيرة جدا، يتصل بعضها بالسلوك، وبعضها بالمعاش، ولا يستطيع تحقيق الورع على هذا الوجه إلا الأقلون.
حال المراقبة
ومن شريف الأحوال المراقبة، وأشرف أحوال المراقبة أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك،
35
أو أن تراقب الله وتسأله أن يرعاك، فإنه لا يكل خاصته في جميع أحوالهم إلى نفوسهم، ولا إلى أحد
35
وقال ابن عطاء لبعض حكماء خراسان ممن قد ولع بالجهل وقارن التقشف: أو ما علمت أن ما تقارن ببدنك أقذار في جنب ما تطالع بقلبك، وما تطالعه بقلبك هباء في جنب ما تراقب في سرك؟ فراقب الله في سرك وعلانيتك فإنه خير مما تقارن من عملك وعبادتك.
حال القرب
وقد ينشأ عن المراقبة حال القرب وحال الحب، أما القرب فسبيله الطاعة وصدق العبودية، كما قيل:
تحققتك في السر
فناجاك لساني
فاجتمعنا لمعان
وافترقنا لمعان
إن يكن غيبك التع
ظيم عن لحظ عياني
فلقد صيرك الوج
د من الأحشاء داني
وأما المحبة فسبيلها الأنس بالنعم الإلهية، والمحبون على ثلاثة أحوال:
فالحال الأول:
محبة العامة، ويتولد ذلك من إحسان الله تعالى إليهم، وعطفه عليهم، وشرط هذا الحال صفاء الود مع دوام الذكر، وموافقة القلوب لله وبذل المجهود، والمبالغة في الثناء على المحبوب.
والحال الثاني:
يتولد من نظر القلب إلى جلال الله وعظمته وعلمه وقدرته، وهو حب الصادقين، وشرطه هتك الأستار، وكشف الأسرار، ومحو الإرادات.
وأما الحال الثالث:
فهو محبة الصديقين والعارفين، وهي تتولد من نظرهم ومعرفتهم بقديم حب الله تعالى بلا علة، فيحبونه كذلك بلا علة.
وقد سئل ذو النون فقيل له: ما المحبة الصافية التي لا كدرة فيها؟ فأجاب: حب الله الصافي الذي لا كدرة فيه سقوط المحبة عن القلب والجوارح حتى لا تكون فيها المحبة، وتكون الأشياء بالله ولله، فذلك المحب لله .
وحب الله من أهم القواعد في بناء الأخلاق، وهو يحولنا إلى أرواح لطيفة لا يصدر عنها شر ولا عدوان، وقد يصل بنا إلى حب كل شيء في الوجود، حين تتمثل العالم كله من صنع المحبوب. وهذا بالطبع لا يتيسر إلا حين يغلب علينا الصفاء، فننسى البغض والحق والانتقام والحسد، وسائر الدسائس الصغيرة التي تفسد جمال الحياة، وتصير الأحياء أشقياء.
والصوفية يشترطون في الحب أن يتصل بأدب النفس، فمن المحبة الاستراحة إلى علم الله وحده بحال المحب، وإخلاص المعاملة لوجهه، وحسن الأدب فيها وهو الإخفاء لها، وكتم ما يحكم به من الضيق والشدائد، وإظهار ما ينعم به من الألطاف والفوائد، وكثرة التفكر في نعمائه وخفي ألطافه وغرائب صنعه وعجائب قدرته، وحسن الثناء عليه في كل حال، والصبر على بلائه؛ لأن المحب قد صار من أهله وأوليائه. والمحبوب قد يعنف بأحبابه لتمكنه منهم ومكانتهم عنده؛ لعلمه أنهم لا يريدون به بدلا، ولا يبغون عنه حولا: إذ ليست لهم راحة لسواه، ولا بغية في سواه، ولا هم لهم إلا فيه، كما قال بعض المحبين: ويلي منك، وويلي عنك، أفزع منك وأشتاق إليك، إن طلبتك أتعبتني، وإن هربت منك طلبتني، فليس لي معك راحة، ولا لي في غيرك استراحة.