تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

28

والمتأمل يرى في هذا المقام قاعدة متينة من أصول الأخلاق، فالتسليم لله من أدب النفس، وهو يطرد عن القلب نوازع كثيرة يخلقها التفكير في النصيب الحاضر من حظوظ الحياة، ومن الواضح أن هذا المقام يحتاج إلى رياضة شديدة؛ لأن الرضا لا يكون إلا بعد تطهير القلب من الوساوس النفسية.

وهو بالتأكيد من أسباب الاطمئنان، والطمأنينة أكبر الغنائم في الحياة الخلقية. وقد يقال إن الرضا المطلق يبعث على البلادة ويغري النفس بإيثار الركود، ونجيب بأنه لا تنافي بين الرضا بالواقع وبين الرغبة في تكميل النفس، وإمدادها بما تحتاج إليه من الأغذية الدنيوية والعقلية والروحية.

مقام الزهد

ومن أهم المقامات مقام الزهد «وهو أساس الأحوال الرضية، والمراتب السنية، وهو أول قدم القاصدين إلى الله عز وجل والمنقطعين إلى الله والراضين عن الله والمتوكلين على الله تعالى، فمن لم يحكم أساسه في الزهد لم يصح له شيء مما بعده؛ لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة، والزهد في الدنيا رأس كل خير وطاعة».

29

والمراد هو الزهد في الحلال الموجود، وأما الحرام والشبهة فتركه واجب

29

والزهاد على ثلاث طبقات: فمنهم المبتدئون، وهم الذين خلت أيديهم من الأملاك وخلت قلوبهم مما خلت منه أيديهم، ومنهم المتحققون في الزهد، وهم الذين تركوا حظوظ النفس من جميع ما في الدنيا، وإنما كان هذا زهد المتحققين؛ لأن الزهد في الدنيا فيه حظ للنفس هو الثناء والمحمدة واتخاذ الجاه عند الناس، فمن زهد بقلبه في هذه الحظوظ فهو متحقق في زهده، أما الفرقة الثالثة: فهي التي تزهد في الزهد، ويمثلها قول الشبلي: الزهد غفلة؛ لأن الدنيا لا شيء، والزهد في لا شيء غفلة.

30

وقد يبدو لنا هذا القول غريبا أشد الغرابة، ولكن ما يهمنا؟ نحن نؤرخ فكرة فلسفية فيها الواضح والغامض، والمقبول والمردود، وليس من المستبعد أن تمر بالنفس لحظات تؤمن فيها بأن الخلق كل الخلق أن يعتقد المرء أن الدنيا لا شيء، ومن التجني أن نطلق القول بأن هذه النزعة علامة مرض، فقد تكون حينا من علائم العافية، ومن العدل أن نقضي بأن الخلق السليم قد يوجب الطمع حينا، والزهد حينأ، يوجب الطمع حين يستطيع المرء أن يوجه منافع دنياه وجهة الخير والشرف، ويوجب الزهد حين يخشى المرء أن تسير به دنياه إلى مزالق البغي والعدوان.

ونشهد صادقين بأننا نحار في تعليل هذه المقامات أشد الحيرة، ونخاف في أحوال كثيرة من عواقب التجني على الصوفية، ففي منافع العيش خير وشرف وجمال، ولكن فيها أحيانا شر وضعة وقبح، والذي يمشي على صراط الخلق يتذكر الصراط الذي وصفوه بأنه أدق من الشعرة وأحد من السيف.

مقام الفقر

ويأتي بعد مقام الزهد مقام الفقر، وهو عند الصوفية مقام شريف، يؤيدهم فيه قول الرسول: الفقر أزين بالعبد المؤمن من العذار الجيد على خد الفرس

31

وقد وصفه الخواص فقال: الفقر رداء الشرف، ولباس المرسلين، وجلباب الصالحين، وتاج المتقين، وزين المؤمنين، وغنيمة العارفين، ومنية المريدين، وحصن المطيعين، وسجن المذنبين.

31

والفقراء على ثلاث طبقات: فمنهم من لا يملك شيئا ولا يطلب بظاهره ولا بباطنه من أحد شيئا، ولا ينتظر من أحد شيئا، وإن أعطى شيئا لم يأخذ وهذا مقام المقربين، ومنهم من لا يملك شيئا ولا يسأل أحدا، ولا يطلب ولا يعرض، وإن أعطى شيئا من غير مسألة أخذ، ومنهم من لا يملك شيئا وإذا احتاج انبسط إلى بعض إخوانه ممن يعلم أنه يفرح بانبساطه إليه.

31

ونحن في هذا المقام نواجه شخصية «الدرويش» وهي شخصية نمقتها أشد المقت؛ لأنها حرب على الأخلاق، وتنتهي إلى إيثار الهرب من تكاليف الحياة. فالفقير الأول الذي لا يملك ولا يطلب ولا يقبل ليس إلا صورة خيالية، والأمعاء لم تخلق عبثا، وإنما هي جنود تقوم بوظائف حيوية لا يمتري فيها إلا المكابرون. والفقير الذي لا يملك ولا يطلب ثم يقبل هو من الشخصيات الضعيفة الحول في هذه الحياة، والفقير الذي لا يملك ثم ينبسط إلى إخوانه حين يحتاج هو إنسان رقيع، والخير له أن ينبسط إلى العمل والجد والكفاح في ميادين الرزق الحلال.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٨٢