تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

21

ومن علامة صحة الرجاء في العبد أن يكون الخوف باطنا في رجائه، لأن من تحقق برجاء شيء خاف فوته لعظم المرجو في قلبه وشدة اغتباطه به، فهو لا ينفك في حال رجائه من خوف فوت الرجاء. والرجاء هو ترويحات الخائفين، ولذلك سمت العرب الرجاء خوفا؛ لأنهما وصفان لا ينفك أحدهما عن الآخر، ومن مذهبهم إذا كان الشيء لازما لشيء أو وصفا له أو سببا منه أن يعبروا عنه به، فقالوا: مالك لا ترجو كذا، وهم يريدون مالك لا تخاف.

22

وللصوفية كلام كثير جدا في الرجاء، واهتمامهم به هو أيضا من دعائم الأخلاق؛ لأن المذنب الذي لا يرجو ربه في قبول المتاب ينقلب إلى قوة يائسة خطرة لا يرجى لها صلاح، ولا ينتظر منها نفع، وانقطاع الصلة بين المرء وبين ربه هو أقصى غايات الفساد. وتخويف المرء من ربه له حدود، ولا ينبغي أن يصل الخوف إلى اليأس؛ فإن التربية التي تقوم على الخوف المطلق تربية فاسدة؛ لأنها تطمس أصول النور في القلب، وتمنع عناصر الخير من النهوض، ففي كل إنسان عواطف غافية تنتظر لحظات التيقظ والانتباه، والرياضة الصحيحة هي التي تعني بإيقاظ ما غفا من عواطف الخير والبر والرشاد.

مقام الخوف

ومع أن الصوفية يوصون بالرجاء، فهم أيضا يوصون بالخوف، ويرون أن المحب لا يسقى كأس المحبة إلا من بعد أن ينضج الخوف قلبه، وكل مؤمن بالله تعالى خائف منه، ولكن خوفه على قدر قربه

23

والخوف نوعان: خوف العموم، وهو أن يحفظ رأسه وما حواه من السمع والبصر واللسان، وأن يحفظ بطنه وما وعاه وهو القلب والفرج واليد والرجل، فأما خوف الخصوص فهو أن لا يجمع ما لا يأكل، ولا يبني ما لا يسكن، لا يكاثر فيما عنه ينتقل، وهذا هو الزهد.

24

والصوفية يرون الخوف ملاك الحياة الخلقية، فسر بعضهم هذه الآية

خلق الموت والحياة ليبلوكم

فقال: يبلوكم بتقليب القلوب في حال الحياة بخواطر الذنوب، وفي حال الموت بالحياد عن التوحيد، فمن خرجت روحه على التوحيد وجاوزت البلاوي كلها إلى المبلي فهو المؤمن، وذلك هو البلاء الحسن، كما قال الله تعالى:

وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا

فهذه المعاني من العلم أوجبت خوف الخائفين من علم الله تعالى فيهم، فلم ينظروا معها إلى محاسن أعمالهم، لحقيقة معرفتهم بربهم.

25

والخوف عند العلماء على غير ما يتصور في أوهام العامة، وخلاف ما يعدونه من القلق والاحتراق أو الوله والانزعاج؛ لأن هذه خطرات وأحوال ومواجيد للوالهين، وليست من حقيقة العلم في شيء، وإنما الخوف اسم لصحيح العلم وصدق المشاهدة، فإن أعطى عبد حقيقة العلم وصدق اليقين سمى هذا خائفا، ولذلك كان النبي

صلى الله عليه وسلم

من أخوف الخلق؛ لأنه كان على حقيقة العلم، ومن أشدهم حبا لله تعالى لأنه كان في نهاية القرب.

26

وليس لدينا من الأنوار الروحانية ما نستطيع به شرح هذه الإشارة وهي تبدو لنا في غاية من العمق، ويكفي أن نقول إنها تقسم الخائفين إلى طائفتين: طائفة تخاف العذاب فتقاسي أهوال المخاوف الحسية، وطائفة يكمن خوفها في حقيقة العلم وصدق اليقين، ولا يظهر عليها جزع ولا هلع ولا إشفاق.

ويخيل إلي أن تفسير هذا الخوف يتمثل في طمأنينة من يعلم فيقف عند الواجب، ولا يعرض نفسه لزيغ ولا إثم ولا فسوق، ثم يترقى في خوفه فيتحلى بأشرف ما يتحلى به المقربون، وعندئذ تنتقل مظاهر الخوف من عالم الجسم إلى عالم الروح، فتكون للعارف أشجان لا يدركها إلا أهل الصفاء.

مقام الرضا

ويجيء بعد ذلك مقام الرضا، والرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا، وهو أن يكون قلب العبد ساكنا تحت حكم الله عز وجل.

27

وأهل الرضا في الرضا على ثلاثة أحوال: فمنهم من يعمل في إسقاط الجزع بحيث يستوي عنده ما يجري عليه من حكم الله، من المكاره والشدائد والراحات والمنع والعطاء، ومنهم من يذهب عن رؤية رضائه عن الله برؤية رضا الله عنه، فلا يثبت لنفسه قدم في الرضا، وإن استوى عنده الشدة والرخاء والمنع والعطاء، ومنهم من يجاوز هذا ويذهب عن رؤية رضا الله عنه ورضاه عن الله لما سبق من الله تعالى لخلقه من الرضا

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٨١