تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن التخلق بخلق الصبر على هذا الوجه من أهم الدعائم في بناء الأخلاق، وأقل مزاياه أن يورثنا ابتسامة دائمة ندفع بها ما قد نفجع به من آلام وخطوب. والخلق الصحيح هو الذي يورثك رباطة الجأش حين تثور الأنواء، ويمنحك السيطرة على الحوادث، ويومض لك ببريق الفوز في حلك البأساء.

مقام الصبر

ويميل أكثر الصوفية إلى تفضيل الصبر على الشكر؛ لأن الصبر حال البلاء، والشكر حال النعمة، والبلاء أفضل لأنه على النفس أشق

17

وعند أكثرهم أن الصابر العارف أفضل من الشاكر العارف؛ لأن الصبر حال الفقر والشكر حال الغنى، فمن فضل الشكر على الصبر في المعنى فكأنه قد فضل الغنى على الفقر. قال المكي: وليس هذا مذهب أحد من القدماء، إنما هذه طريقة علماء الدنيا ... فإن من فضل الغنى على الفقر فقد فضل الرغبة على الزهد، والعز على الذل، والكبر على التواضع. وفي هذا تفضيل الراغبين والأغنياء على الزاهدين والفقراء، ويخرج ذلك إلى تفضيل أبناء الدنيا على أبناء الآخرة، وإنما فضلنا الصبر على الشكر في الجملة والمعنى؛ لأن الصبر حال من مقامه البلاء، وأهل البلاء هم الأمثل فالأمثل بالأنبياء. ولأن الصبر أبعد من أهواء النفوس، وأقرب إلى الضر والبؤس، وأشد في مكاره النفوس، وأنفر لطباعها، وأشد مباينة لما يلائمها.

18

وهذا الكلام يمثل اتجاه الصوفية في أكثر ضروب الحياة، فالجانب الأقرب إلى البؤس والخمول هو عندهم أقرب إلى الطاعة والصفاء، والظاهر أنهم لم يتنبهوا كل التنبه إلى قيمة الشكر في الغنى، ولو فطنوا له لعرفوا أن الشكر على الغنى يفرض على صاحبه مكاره قد تكون أصعب من الصبر على البلاء. فالشكر على الغنى ليس كلمة تسهل فتقال، ولكنه جهاد عنيف يلقى فيه الأغنياء بلايا من حرب النفس، وليس من القليل أن ينتصر الغني على نزواته وأهوائه وأطماعه؛ فيؤدي حقوق الجاه، وحقوق المال، ويعيش عيش الأصفياء الذين لا يعرفون غير الحلال.

مقام الشكر

على أن من الصوفية من فضل الشكر على الصبر، فقد قال مطرف بن عبد الله: لأن أعافي فأشكر أحب إلي من أن ابتلي فاصبر؛ لأن مقام العوافي أقرب إلى السلامة، فلذلك أختار الشكر على الصبر؛ لأن الصبر حال أهل البلاء.

19

وصاحب هذا الكلام يرى العافية من أبواب السلامة، أي سلامة النفوس؛ لأن البلاء قد يعرض النفس للجزع والارتياب، وتعريض النفس للفتنة غير مأمون العواقب، أما العافية فتحفظ توازن النفس، وتجعل الرجل قادرا على صالح الأعمال.

والحق أن الإنسان يكابر حين يرحب بالمصائب؛ لأنه أسير لنظام الأعصاب في أكثر الأحيان، ومن الخير له أن يسأل الله العافية، وأن يتجنب التعرض للامتحان، فقد يضعف عن مواجهة ما يشتهي من المصاعب، ويعرف بعد الانزلاق في هوة المكاره أن العزيمة قد تفتر أو تخون.

وعند التأمل نرى النعم والعوافي تزيد في الصلة الروحية بين الإنسان وبين ربه، والفرق بعيد بين الحالين: حال الطمأنينة، وحال الاحتساب، فالمطمئن ينظر إلى ربه نظرة المدين، وهي نظرة كلها ترفق وتخشع، أما الصابر المحتسب فيتعرض للزهو بالصبر على ما يعاني، والزهو من أشد آفات النفوس.

20

مقام الرجاء

وهناك مقام الرجاء، والرجاء: هو اسم لقوة الطمع في الشيء بمنزلة الخوف، اسم لقوة الحذر من الشيء، ولذلك أقام الله تعالى الطمع مقام الرجاء في التسمية، وأقام الحذر مقام الخوف، فقال:

يدعون ربهم خوفا وطمعا

21

والرجاء من أوصاف المؤمنين، ولا يصح الإيمان إلا به، كما لا يصح الإيمان إلا بالخوف، فالرجاء بمنزلة أحد جناحي الطائر، وهو لا يطير إلا بجناحيه، كذلك لا يؤمن من لا يرجو من آمن به ويخافه، وهو أيضا مقام من حسن الظن بالله تعالى، وجميل التأميل له، وقد أوصى به الرسول فقال: لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن الظن بالله تعالى؛ لأنه قال: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٨٠