9
مقام التوبة
المقام الثاني: مقام الصبر، وهو مقام شريف، وقد جعله علي بن أبي طالب ركنا من أركان الإيمان، فقال: بني الإسلام على أربع دعائم: على اليقين والصبر والجهاد والعدل،
10
وروي عن النبي أنه قال: من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار، ولأن تصبروا على مثل ما أنتم عليه أحب إلي من أن يوافيني كل امرئ منكم عمل جميعكم، ولكني أخاف أن تفتح عليكم الدنيا بعدي فينكر بعضكم بعضا، وينكركم أهل السماء عند ذلك، فمن صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه، ثم قرأ:
ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ،
10
وكان سهل يقول: أفضل منازل الطاعة الصبر عن المعصية، ثم الصبر على الطاعة ... وقال: الصالحون في المؤمنين قليل، والصادقون في الصالحين قليل، والصابرون في الصادقين قليل، فجعل الصبر خاصية للصدق، وجعل الصابرين خصوص الصادقين
11
وقد قال بعض العلماء: ما كنا نعد إيمان من لم يؤذ فيحتمل الأذى ويصبر عليه إيمانا
12
وقد قال الله تعالى في جزاء المخلصين:
أولئك لهم رزق معلوم
وقال تعالى في جزاء الصابرين:
إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب
قيل في التفسير: يغرف لهم غرفا، والمعنى في ذلك: أن الصبر أشق على النفس، وأمر على الطبع، ويصعب فيه الألم والكظم عند الذل والضيم. ومنه التواضع والكتم، وفيه الأدب وحسن الخلق، وبه يكون كف الأذى عن الخلق، واحتمال الأذى من الخلق، وهذه من عزائم الأمور، التي يضيق منها أكثر الصدور.
13
وللصوفية في الصبر كلام كثير. حدث السراج الطوسي قال: وقف رجل على الشبلي رحمه الله فقال له: أي صبر أشد على الصابرين؟ فقال: الصبر لله. فقال الرجل: لا، فقال: الصبر مع الله، فقال: لا. فغضب الشبلي رحمه الله وقال: ويحك، فأيش؟ فقال الرجل: الصبر عن الله عز وجل. فصرخ الشبلي رحمه الله صرخة كادت تتلف روحه
14
قال: وسألت ابن سالم بالبصرة عن الصبر فقال: على ثلاثة أوجه: متصبر وصابر وصبار، فالمتصبر من صبر في الله تعالى، فمرة يصبر على المكاره، ومرة يعجز، والصابر من يصبر لله وفي الله، ولا يجزع، وأما الصبار فذاك الذي صبره في الله ولله وبالله، فهذا لو وقع عليه جميع البلايا لا يعجز ولا يتغير، من جهة الوجوب والحقيقة، لا من جهة الرسم والخليقة
15
وكان الشبلي يتمثل بهذه الأبيات إذا سئل عن الصبر:
عبرات خططن في الخد سطرا
قد قراها من ليس يحسن يقرا
إن صوت المحب من ألم الشو
ق وخوف الفراق يورث ضرا
صابر الصبر فاستغاث به الصب
ر فصاح المحب بالصبر صبرا
وعناية الصوفية بالصبر تمثل جانبا هاما من تصورهم لكرائم الخلال، فالصبر في جوهره من عناصر الشجاعة في مقاومة الشدائد، والشدائد قد تكون حسية وقد تكون عقلية. والصبر عنصر أصيل في الحياة الخلقية، ويظهر فضله في كل باب من أبواب العيش: فيكون في العبادات، وفي طلب العلم، وفي الصناعات، وفي معاملة الناس، ويكون في الصحة وفي المرض، وفي الحب وفي البغض، وفي النعيم وفي البؤس. ورياضة النفس على الصبر هي ذاتها من مصادر العافية في عالم الأخلاق.
والصوفية يتمثلون الصبر في صور جذابة تفصح عنها الحكاية الآتية:
حكى عن ذي النون أنه قال: دخلت على مريض أعوده، فبينما كان يكلمني أن أنة، فقلت: ليس بصادق في حبه من لم يصبر على ضربه. فقال المريض: بل ليس بصادق في حبه من لم يتلذذ بضربه.
16
فالصابر على هذا الوجه يتلقى المكاره بالقبول، ويراها من نعم الله، وعند التأميل نرى العناية الإلهية تسوق إلينا الشدائد لحكمة عالية، والجاهل هو الذي يضجر ويحزن ويكتئب، أما العاقل فيلتمس وجوه الخير فيما يبتليه الله به من الشدائد، وقد جربنا فرأينا النقم تساق لمنافع مستورة نجهلها كل الجهل، ثم تظهر رويدا رويدا فنرى الخيرة فيما اختاره الله، ونندم على ما أسلفنا من الحزن والاكتئاب.