تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسبحان من لو شاء لجزانا بفضله وكرمه، وأسبغ على عملنا حلة القبول.

| اشتقاق كلمة تصوف

قدم التصوف في الجزيرة العربية

كان الأستاذ مصطفى عبد الرازق نشر كلمة في مجلة المعرفة

1

عن اشتقاق كلمة تصوف، وكانت كلمته سببا في إثارة الجدل حول هذه اللفظة، فرأينا من المفيد أن نتعقب هذه الكلمة لنرى أي الآراء أرجح في تعرف أصلها القديم، وهي تحتمل أربعة فروض: الأول أن يكون الصوفي منسوبا إلى صوفة، والثاني أن يكون منسوبا إلى الصوف، والثالث أن يكون مشتقا من الصفاء، والرابع أن يكون منسوبا إلى كلمة «سوفيا» اليونانية.

دلالة الصوف على الخشونة والتواضع

أما صوفة الذي قيل: إن الصوفي نسب إليه فهو اسم رجل كان انفرد بخدمة الله سبحانه وتعالى عند بيته الحرام، واسمه الغوث بن مر، فانتسب الصوفية إليه لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله، وإلى القارئ ما يقول ابن الجوزي في ذلك:

أنبأنا محمد بن ناصر عن أبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال قال: قال أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ قال: سألت وليد بن القاسم: إلى أي شيء ينسب الصوفي؟ فقال: كان قوم في الجاهلية يقال لهم: صوفة انقطعوا إلى الله عز وجل وقطنوا الكعبة، فمن تشبه بهم فهم الصوفية. قال عبد الغني: فهؤلاء المعروفون بصوفة ولد الغوث بن مر بن أخي تميم بن مر. وبالإسناد إلى الزبير بن بكار قال: كانت الإجازة بالحج للناس من عرفة إلى الغوث بن مر بن أد بن طابخة ثم كانت في ولده، وكان يقال لهم: صوفة، وكان إذا حانت الإجازة قالت العرب: أجز صوفة. قال أبو عبيدة: وصوفة وصوفان يقال لكل من ولي من البيت شيئا من غير أهله أو قام بشيء من أمر المناسك. قال الزبير: حدثني أبو الحسن الأثرم عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: إنما سمي الغوث بن مر صوفة؛ لأنه ما كان يعيش لأمه ولد، فنذرت لئن عاش لتعلقن برأسه صوفة ولتجعلنه ربيط الكعبة، ففعلت، فقيل له: صوفة ولولده من بعده. قال الزبير: وحدثني إبراهيم بن المنذري عن عبد العزيز بن عمران قال: أخبرني عقال بن شبة قال: قالت أم تميم بن مر وقد ولدت نسوة: لله علي إن ولدت غلاما لأعبدنه للبيت.

2

فولدت الغيث بن مر فلما ربطته عند البيت أصابه الحر فمرت به وقد سقط واسترخى فقالت: ما صار ابني إلا صوفة؛ فسمي صوفة، وكان الحج وإجازة الناس من عرفة إلى منى، ومن منى إلى مكة لصوفة، فلم تزل الإجازة في عقب صوفة حتى أخذتها عدوان، فلم تزل في عدوان حتى أخذتها قريش.

3

وهذا الكلام المهم في موضوعه لم يخترعه ابن الجوزي، فقد كان معروفا، وأشار إليه الزمخشري في أساس البلاغة، والفيوزآبادي في القاموس المحيط.

صورته في الأخيلة الشعبية

والواقع أن التنسك كان معروفا في الجاهلية، وقد حدثنا ياقوت عن حنظلة بن أبي عفراء الذي بنى دير حنظلة بالقرب من شاطئ الفرات «وكان قد نسك في الجاهلية وتنصر وبنى هذا الدير فعرف به»،

4

وحدث الخطيب البغدادي بسنده عن ابن المبارك عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله تعالى:

يا أخت هارون

قال: كان رجلا صالحا في بني إسرائيل حضر جنازته أربعون ألفا ممن اسمه هارون سواه،

5

والصلاح هنا هو التنسك، وأخت هارون هي مريم وكانت بأرض موصولة بالبلاد العربية.

وكان في الجاهلية لفظة هي «الديان»، وكان في الجاهليين يزيد وعبد المسيح «ابنا الديان» مدحهما الأعشى فقال:

فإن تفعلا خيرا وترتديا به

فإنكما أهل لذاك كلاكما

وإن تكفيا نجران أمر عظيمة

فقبلكما ما سادها أبواكما

6

والديان المتنسك في الدين، ومثله الرباني وهي كلمة قديمة عرفتها العربية والسريانية، وظلت من ألفاظ التمجيد، وقد وصف البويطي بأنه «كان إماما ربانيا كثير العبادة والزهد»،

7

والربانيون فوق الأحبار درجة.

8

وقد فسر الرهبان في القرآن الزهاد.

9

وروي عن النبي أنه قال: «لا صام من صام الأبد».

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٧