عقل العصر الحاضر والحياة الروحية
ولنأخذ في شرح المقامات فنذكر أن المقام الأول هو التوبة النصوح، وهي ندم بالقلب، واستغفار باللسان، وترك بالجوارح، وإضمار أن لا يعود التائب إلى الذنب.
4
وجملة ما على العبد في التوبة وما تعلق بها عشر خصال:
أولها:
أن لا يعصي الله تعالى.
والثانية:
أن لا يصر إذا ابتلى بمعصية.
والثالثة:
التوبة إلى الله تعالى منها.
والرابعة:
الندم على ما فرط منه.
والخامسة:
عقد الاستقامة على الطاعة إلى الموت.
والسادسة:
خوف العقوبة.
والسابعة:
رجاء المغفرة.
والثامنة:
الاعتراف بالذنب.
والتاسعة:
اعتقاد أن الله قدر عليه ذلك، وأنه عدل منه.
والعاشرة:
المتابعة بالعمل الصالح ليكفر عما تقدم من السيئات.
5
وهذه الخصال تشهد بأن الصوفية يرون المرء مجردا من الحول والقوة، فهو يذنب بقدر، ويتوب بقدر، ومن واجبه أن يخاف العقوبة ويرجو المغفرة، وأن ينوي الاستقامة على الطاعة إلى الموت.
وقليل من الإنصاف يكفي لإعلان أن هذه اللمحة من أهم الدعائم في الحياة الخلقية، فكل تردد في التوبة هو في بناء الخلق صدع وانحلال، وكل صدق في التوبة هو حجر متين في تقوية الشخصية الخلقية.
ومن علامة صدق التائب في توبته أن يستبدل بحلاوة الهوى حلاوة الطاعة
6
ولا تصح للتائب توبة إلا بأكل الحلال، ولا يقدر على الحلال حتى يؤدي حق الله تعالى في الخلق، وحق الله تعالى في نفسه، ولا يصح له هذا حتى يبرأ من حركته وسكونه إلا بالله تعالى وحتى لا يأمن الاستدراج بأعماله الصالحات.
7
ومن شرط التوبة أنه ينبغي للتائب المنيب أن يبدأ بمباينة أهل المعاصي ثم بنفسه التي كان يعصي الله تعالى لها فلا ينيلها إلا ما لا بد منه، ثم الاعتزام على أن لا يعود في معصية أبدا، ويلقى عن الناس مؤونته، ويدع كل ما يضطره إلى جريرة.
7
وينبغي لأهل التوبة أن يحاسبوا نفوسهم في كل طرفة، ويدعوا كل شهوة، ويتركوا الفضول، وهي ستة أشياء: ترك فضول الكلام، وترك فضول النظر، وترك فضول المشي، وترك فضول الطعام، والشراب واللباس.
7
ولا تنظر، أيها التائب إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت،
7
فقد كانت الصغائر عند الخائفين كبائر، وكان من الصحابة من يقول: إنكم لتعملون أعمالأ هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها في زمن النبي
صلى الله عليه وسلم
من الموبقات.
7
وليس معنى ذلك أن الكبائر التي كانت على عهد النبي صارت بعده صغائر، ولكن معناه أنهم كانوا يستعظمون الصغائر لعظمة الله تعالى في قلوبهم، ولم يكن ذلك الوجدان في قلوب من بعدهم من المؤمنين.
واختلف الصوفية في نسيان ما سلف من الذنوب، فقال بعضهم: حقيقة التوبة أن تنصب ذنبك بين عينيك، وقال آخر: حقيقة التوبة أن تنسى ذنبك. وهذان طريقان لطائفتين، وحالان لأهل مقامين، فأما ذكر الذنوب فطريق المريدين وحال الخائفين، وأما نسيان الذنوب فطريق العارفين وحال المحبين.
8
ونحن نرجح الرأي الثاني، ونرى الأخذ به في جميع الأحوال، فإن تذكر الذنوب الماضية يشل العزيمة، ويفت في عضد التائب، ويخلق جوا جديدا للتعرف إلى ما سلف من الذنوب، وهو فوق ذلك جهد ضائع وشغل للقلب بما لا يفيد. وإقامة المناحات على الهفوات الماضية علالة سخيفة يتوهم فريق من الناس أنها تزيد في طهر القلوب، وهي في عالم الأخلاق تشبه بعض ما يقع في عالم القضاء، فلو كان يصح للقضاة أن يتعقبوا ماضي الناس ليأخذوا بهفوات قدم عليها العهد لاختل الميزان، وذهب جمال الحاضر، وزهد الناس في فضل المتاب، فإن الأصل في التوبة أن تكون حجازا بين عهدين، وأن يصبح التائب وكأنه مولود جديد، ولا ننسى أن اجترار الذكريات الماضية سيء الأثر في نظام الأعصاب، وهو خليق بأن ينتهب العافية ويضيع جمال الساعة الحاضرة، وهي العدة الخلقية في نظام الأعمال.
ولا يقف الصوفية عند التوبة من الذنوب؛ لأنها في رأيهم توبة العوام بل يدعون إلى التوبة من الغفلة، وهي عندهم توبة الخواص «فأما لسان أهل المعرفة والواجدين وخصوص الخصوص في معنى التوبة فهو ما قاله أبو الحسين النوري رحمه الله حين سئل عن التوبة فقال: التوبة أن تتوب من كل شيء سوى الله تعالى، وإلى هذا أشار الذي أشار بقوله: ذنوب المقربين حسنات الأبرار، وهو ذو النون، والذي قال أيضا: رياء العارفين إخلاص المريدين فشتان بين تائب وتائب، فتائب يتوب من الذنوب والسيئات، وتائب يتوب من الزلل والغفلات، وتائب يتوب من رؤية الحسنات والطاعات».