لقد أسرف الصوفية في ذم الدنيا وأهلها، وأسرفوا في الدعوة إلى التحرر منها، ولو كانوا أصحاء لآثروا الاعتدال.
| المقامات والأحوال
ما هو المقام وما هو الحال في اصطلاح الصوفية
المقامات: جمع مقام بالتذكير، وهو الخطبة أو العظة يلقيها الرجل في حضرة الخليفة أو الملك، وقد عقد ابن قتيبة فصلا في المجلد الثاني من عيون الأخبار سماه (مقامات الزهاد عند الخلفاء والملوك) وقد تؤنث كقول بديع الزمان في أحد الواعظين (فاصبر عليه إلى آخر مقامته، لعله ينبئ بعلامته)
1
والمقام في الأصل المجلس، ففي القرآن:
أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا
وفي شعر زهير:
وفيهم مقامات حسان وجوههم
وأندية ينتابها القول والفعل
والمقام أيضا الموقف العصيب. قال لبيد:
ومقام ضيق فرجته
بكلام وبيان وجدل
لو يقوم الفيل أو فياله
زل عن مثل مقامي وزحل
أما الصوفية فالمقام عندهم معناه: مقام العبد بين يدي الله عز وجل فيما يقام فيه من العبادات والمجاهدات، والرياضات، والانقطاع إلى الله تباركت أسماؤه، ومنه آية القرآن:
ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد .
2
أما الحال فنازلة تنزل بالقلوب فلا تدوم، والفرق بين المقام والحال أن المقام يكتسب بطريق المجاهدات والعبادات والرياضات، وأن الحال يأتي من فيض الله، وقد أفصح الجرجاني عن ذلك حين قال:
الحال عند أهل الحق معنى يرد على القلب من غير تصنع ولا اجتلاب، ولا اكتساب من طرب أو حزن أو قبض أو بسط أو هيئة، ويزول بظهور صفات النفس سواء يعقبه المثل أو لا، فإذا دام وصار ملكا يسمى مقاما، فالأحوال مواهب، والمقامات مكاسب، والأحوال تأتي من عين الجود، والمقامات تحصل ببذل المجهود.
3
أهمية المقامات والأحوال في تصوير الشخصية الخلقية
ودرس المقامات والأحوال يصور لنا فهم الصوفية للحياة الخلقية، وهم يرون الإنسان بين حالين:
الأول:
حال المجاهدة،
والثاني:
تلقي الفيض،
فالشخصية الخلقية لا تنفك تجاهد الأهواء والشهوات، ولا تزال موجهة القلب إلى النفحات الروحانية، فهي في شغل موصول بمواجهة أسباب الصفاء.
وأثر التصوف من هذه الناحية عظيم جدا في الأخلاق، فالرجل المتصوف يحاسب نفسه في كل لحظة، ويتلمس مواقع الفيض في كل لحظة، وهذه الشواغل الدائمة قد تكون مما يصرف النفس عن التوجه لما يجد في عالم المحسوسات والمعقولات، وتصير الرجل من أهل الوسواس في تعقب ما كان، وانتظار ما سيكون من أعمال القلب والوجدان، ولكنها عند الاعتدال تخلق من المرء قوة خلقية تنفع في توجيه الإرادة إلى الصالح من الأعمال.
وعقل العصر الحاضر لا يفهم هذه الوسوسة الروحية؛ لأنه اندفع في التيارات الواقعية، فلم يعد يدرك ما في هذه الوسوسة من الصدق والجلال. وأغلب الظن أن القلق في عالم العيش هو الذي ضيق الخناق على المعاني الروحية؛ لأنها في نظر العقل الحاضر لا تقدم إلى أصحابها شيئا من البخار أو البنزين، والتصوف لا ينمو إلا في البيئات التي خفت أثقالها في عالم العيش، واستطاعت أن تغمض الجفون ولو لحظات لتنظر ما يجري في دنيا الوجدان.
ونشهد أننا نجد مشقة في تقريب تلك السياسة النفسية من عقل هذا الزمان، ولكن ما حاجتنا إلى ذلك؟ نحن نؤرخ بعض المذاهت الفلسفية، والمؤرخ لا يجمل به أن يشغل نفسه بالتحسين والتقبيح، وإنما يجب عليه أن يقدم الصور الصحيحة لما وقع في التاريخ.
ولنواجه المشكلة بعزم وصراحة فنقول: إن تلك السياسة الصوفية أضرت من وجه وأحسنت من وجوه، أضرت حين قصرت الشخصية الخليقة على الحياة الفردية، وقضت بأن يصم الرجل أذنيه في أكثر الأحيان عما يجري في المجتمع من أخبار الجد والإبداع، وأحسنت حين ربطت مصير الفرد بمجاهدة الأهواء، ومحاربة الشهوات، وأقنعته أن لا غنى له عن ترقب الفيض الإلهي في جميع اللحظات، وراضته على احتقار المغانم الدنيوية، والإيمان بأن المغنم الحق هو الاتصال بالمبدع الأول الذي وهب الروح لكل موجود، وصير العالم كتلة من الكهرباء.