تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولننص في هذا المقام على أن ما قالوه حق، فالدنيا سخيفة لا ثبات لنعيمها ولا بقاء، ولكن الإصرار على إحقاق هذا الحق، والدوران حوله من وقت إلى وقت، أو تمثله في أغلب الأحوال، إنما هو من أوهام النفوس العليلة التي يتراءى لها شبح الموت في كل حين. والموت حق، ولكن الحياة أيضا حق، والشغل بها من دلائل الفتوة الجسمية والعقلية والروحية، وإليها المرجع في تصور النعيم المأمول، وعلى ما فيها يقاس ما سيكون في دار البقاء.

مشكلة خلقية

وهناك مشكلة اختلف في حلها الصوفية، وهي حال الرجل الغني الذي يؤدي حقوق الغنى فينفق في وجوه الحلال، ويتصدق على الفقراء والمساكين، فقد قال رجل للحسن البصري: ما تقول في رجل آتاه الله مالا فهو يتصدق منه، ويصل منه ، أيحسن له أن يتعيش فيه - يعني يتنعم - فقال: لا، لو كانت له الدنيا كلها ما كان له منها إلا الكفاف، ويقدم ذلك اليوم فقره.

11

فالحسن يقاوم التنعم، وينهى عنه الأغنياء الذين يؤدون حقوق المال.

أما أبو حازم المدني فيقول بغير ذلك في شيء من الرفق، فقد قال له رجل: أشكو إليك حب الدنيا وليست لي بدار. فقال: انظر ما آتاكه الله عز وجل منها، فلا تأخذه إلا في حله، ولا تضعه إلا في حقه، ولا يضرك حب الدنيا.

12

وهذا جواب حكيم، ولكن الغزالي يأبى إلا التعقيب عليه فيقول: وإنما قال هذا لأنه لو آخذه بذلك لأتعبه حتى يتبرم بالدنيا ويطلب الخروج منها.

12

وهذا التعقيب يعين مذهب الغزالي في الزهد، وجوهره يدل على ما كان عند أبي حازم من حكمة وعقل، فإن الإغنياء الذين يؤدون حقوق الغنى هم ظل الله في الأرض، وهم أهل الحرث وأرباب العمران، والحكم عليهم بالانحراف عن جادة الحق فيه تيئيس وتثبيط وتعويق، والصوفية لا يستكثر عليهم أن يسرفوا في التزهيد، وإن كانوا يتلطفون أحيانا، فقد نقل الغزالي قول أبي سليمان الداراني: إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزحمها فإذا كانت الدنيا في القلب لم ترحمها الآخرة؛ لأن الآخرة كريمة، والدنيا لئيمة. ثم قال: وهذا تشديد عظيم، ونرجو أن يكون ما ذكره سيار بن الحكم أصح إذ قال: الدنيا والآخرة تجتمعان في القلب، فأيهما غلب كان الآخر تبعا له. وقال مالك بن دينار: بقدر ما تحزن للدنيا يخرج هم الآخرة من قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك.

13

وفي هذا الحكم اعتدال، وهو يقضى بأن الدنيا خليقة بالحب، وليس في حبها ما يعيب، على شرط أن لا تكون هي الغالبة، وأن يكون ما فيها من الطيبات وسيلة لصالح الأعمال.

المحمود والمذموم في الشؤون الدنيوية

وقد وضع الغزالي علائم واضحة للمحمود والمذموم من الشؤون الدنيوية، ويتلخص كلامه المطول في الفقرة الآتية:

ليس كل ما تميل إليه بمذموم بل هو ثلاثة أقسام: الأول: ما يصحبك في الآخرة وتبقى معك ثمرته بعد الموت، وهو شيئان: العلم، والعمل فقط، والعلم هنا هو العلم بالله وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله، وملكوت أرضه وسمائه، والعلم بشريعة نبيه، والعمل هو العبادة الخالصة لوجه الله. والقسم الثاني: كل ما فيه حظ عاجل ولا ثمرة له في الآخرة، كالتلذذ بالمعاصي، والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر الحاجات. والقسم الثالث: متوسط بين الطرفين، وهو كل حظ عاجل يعين على أعمال الآخرة كقدر القوت من الطعام، والقميص الواحد الخشن، وكل ما لا بد منه ليتأتي للإنسان البقاء.

14

النفس كالشجرة التي تحيا بالحرية في مكافحة الهواء

وهذا الكلام في ذاته مقبول. ولكنه ينتهي إلى غاية واحدة: هي أن يكون الإنسان كتلة خلقية لا يتقدم ولا يتأخر إلا وفقا لسياسة روحية ضيقة المسالك. ومن الجميل أن يكون الإنسان كتلة خلقية، وأن يكون له في كل خطوة هاد من القلب والوجدان، ولكني أخشى أن يكون في ذلك ما يهدم جانبا من دعائم الأخلاق، فالنفس قريبة الشبه بالشجرة الصغيرة التي تحيا بالحرية في مكافحة الهواء، ويؤذيها أن يرعاها الجنان في كل لحظة، وأن لا يدعها بغير سناد، وكذلك تخمد النفس حين تسأل عن كل شيء، فلا تقرب الطعام إلا لغرض، ولا تباشر اللباس إلا لغرض، ولا تنظر في في كتاب إلا بعد أن تميز لأي غاية ألف، ولا تصحب أحدا إلا بعد أن تستوثق من الطهر في قصده المكنون.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٧٦