تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والخلاصة أن فرار الصوفية من الدنيا وأهلها يدل على ثلاثة أمور:

الأول:

شعورهم بالتبعة الأخلاقية.

والثاني:

ضعفهم عن مقاومة الرذائل الاجتماعية.

والثالث:

فساد ما نشأوا فيه من البيئات الدينية والمعاشية.

ذم الدنيا وأثره في الأخلاق وفي الأدب

فإن سأل القارئ عن أثر ذلك في الأخلاق، فإنا نجيب بأن كتمان الصوفية لأسباب الهزيمة صور فرارهم من الدنيا بصورة العمل المقبول، فاقتدى بهم كثير من الناس وشاع الزهد في الطيبات فضاع من العالم الإسلامي جزء كبير من الثروة المعنوية التي يمثلها جمال العمران وتتابع الرزق في عالم الاقتصاد.

ومضى المنهزمون يسترون الهزيمة بذم الدنيا، فكان للأدب من ذلك مغانم عظيمة، واستطاع علي بن أبي طالب أن يحسن مثل هذه الأقوال:

إنما الدنيا منتهى بصر الأعمى لا يبصر مما وراءها شيئا، والبصير ينفذها بصره، ويعلم أن الدار وراءها، فالبصير منها شاخص والأعمى إليها شاخص، والبصير منها متزود، والأعمى لها متزود

6 ... انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها الصادقين عنها، فإنها والله عما قليل تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المترف الآمن، لا يرجع ما تولى فأدبر، ولا يدري ما هو آت منها فينتظر، سرورها مشوب بالحزن، وجلد الرجال فيها إلى الضعف والوهن

7 ... لم يكن امرؤ منها في حبرة إلا أعقبتهاعبرة، ولم يلق في سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا، ولم تطله فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزنة بلاء

8 ... أوصيكم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم وإن لم تتركوها، والمبلية لأجسامكم وإن كنتم تحبون تجديدها، فإنما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلا فكأنهم قد قطعوه، وأموا علما فكأنهم قد بلغوه، وكم عسى المجرى إلى الغاية أن يجري إليها حتى يبلغها، وما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه، وطالب حثيث يحدوه في الدنيا حتى يفارقها، فلا تنافسوا في عز الدنيا وفخرها، ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها، ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها، فإن عزها وفخرها إلى انقطاع، وإن زينتها ونعيمها إلى زوال، وضراءها وبؤسها إلى نفاذ، وكل مدة فيها إلى انتهاء، وكل حي فيها إلى فناء.

9

وكلام ابن أبي طالب في ذم الدنيا كثير جدا، وهو يمثل مذهبه في الزهد ويشرح هزيمته السياسية، وكذلك فعل الخوارج، فقد أطالوا القول في التنفير من الدنيا، ولهم في ثلبها خطب ضربت بفصاحتها الأمثال، من ذلك قول قطري بن الفجاءة.

أيها الناس، اعملوا على مهل، وكونوا من الله على وجل، ولا تغتروا بالأمل، ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدارة خداعة، قد تزخرفت لكم بغرورها، وفتنتكم بأمانيها، وتزينت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوة : العيون إليها ناظرة، والقلوب عليها عاكفة، والنفوس لها عاشقة، فكم من عاشق لها قد قتلت، ومطمئن إليها خذلت، فانظروا إليها بعين الحقيقة، فإنها دار كثرت بوائقها، وذمها خالقها، جديدها يبلى، ومالكها يفنى، وعزيزها يذل، وكثيرها يقل، وحيها يموت، وخيرها يفوت، فاستيقظوا من غفلتكم، وانتبهوا من رقدتكم، قبل أن يقال: فلان عليل، أو مدفن ثقيل، فهل على الدواء من دليل، أو على الطبيب من سبيل، فيدعى لك الأطباء، ولا يرجى لك الشفاء، ثم يقال: فلان أوصى، ولماله أحصى، ثم يقال: قد ثقل لسانه، فما يكلم إخوانه، ولا يعرف جيرانه، وعرق عند ذلك جبينك، وتتابع أنينك، وثبت يقينك، وطمحت جفونك، وصدقت ظنونك، وتلجلج لسانك، وبكى إخوانك، وقيل لك: هذا ابنك فلان، وهذا أخوك فلان ومنعت الكلام فلا تنطق، ثم حل بك القضاء، وانتزعت نفسك من الأعضاء، ثم عرج بها إلى السماء، فاجتمع عند ذلك إخوانك، وأحضرت أكفانك، فغسلوك وكفنوك، فانقطع عوادك، واستراح حسادك، وانصرف أهلك إلى مالك، وبقيت مرتهنا بأعمالك.

10

وما نريد أن نطيل في بيان ما غنم الأدب من تبرم الصوفية بدنيا الناس فقد عقدنا لذلك فصلا موجزا في القسم الأول بينا فيه كيف أولع الصوفية بتصوير الدنيا، وكيف لونوها وعرضوها في مختلف التشبيهات ...

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٧٥