5
شخصية المسيح
وما يهمنا في هذا المقام أن نبحث في صحة هذه الأحاديث وفيها الزائف والصحيح، لا يهمنا ذلك؛ لأن عناية الصوفية بدرسها وروايتها هي الشاهد على ما نراه في تصوير مذاهبهم الأخلاقية، وهم يذمون الدنيا إطلاقا ولا يتسامحون في الرضا عنها إلا في رسوم ضيقة أشد الضيق ، ولولا غلبة هذه النزعة عليهم لكان لهم موقف آخر في توجيه تلك الأحاديث، فما نظن أن الرسول كان يرى الدنيا جيفة في جميع الأحوال، والمعقول أنه كان يحقرها حين يرى الناس يتكالبون عليها ويقترفون في سبيلها منكر الآثام، ولو عرض الرسول لدنيا رجل صالح لقضى بأن الدنيا مطية المؤمن، وأن الغنى من نعم الله على عباده الصالحين.
إن وقوف الصوفية عند هذا الجانب من كلام الرسول لم يقع إلا عن قصد، فذلك هو منحاهم في الأخلاق، والشخصية الخلقية عندهم هي شخصية فقيرة معدمة لا تعرف غير التفكير في الجزء المجرد من الملكوت، أما النظر في هذا العالم الصاخب المملوء بالمحاسن والعيوب فذلك لأهل الدنيا الذين قضى عليهم الصوفية بالغفلة والسقوط.
واهتمام الصوفية بأدب المسيح يؤكد ما نراه في نزعتهم الأخلاقية، فالمسيح هو أعظم درويش عرفه هذا العالم، وهو في ذاته شخصية جذابة، ولكن الاقتداء به اقتداء مطلقا لا يخلو من عدوان على ملك العقل، ولا يصح النظر إلى المسيح كشخصية مستقلة تمام الاستقلال، وإنما يجب النظر فيما كان يحيط به من تكالب أرباب الأموال، وتصور ما كانوا عليه من قذارة التعامل وسفاهة الإجحاف، فاليهود الذين عرفهم عيسى كانوا بغوا في الأرض واشتروا رقاب الناس بالربا الفاحش، وكذلك كانت دعوته إلى بغض الدنيا دعوة طبيعية يقرها الأدب والذوق.
دفاع المؤلف عن الصوفية
ولكن كيف نبخل على الصوفية بما سمحنا به للمسيح، وكيف نحرم هنا ما حللناه هناك؟
والواقع أن الصوفية نشأوا في بيئات غلب عليها الفساد، فساد الخلق والدين، وما كانت المعاملات بين الناس في العهود الماضية إلا ضروبا من الختل والعدوان، وهل صلح الناس في زماننا هذا مع قوة القانون وحزم القضاء؟ حدثني كم رجلا فيمن تعرف يصلح للتعاون بلا صك مكتوب؟ وكم رجلا فيمن تصادق تأتمنه فلا يخون؟ وكم رجلا فيمن تؤاخي يحفظ سرك ويرعى عهدك، ويظل ظهيرك في المحضر والمغيب؟
لقد نشأ الصوفية في أزمان لم يكن فيها لغير الحاكم المسيطر أمر يطاع، وكانت الدسائس والوشايات أساس الحل والعقد في قصور الخلفاء والأمراء والوزراء، وكان الندمان والمحاسيب هم محور الحركة والسكون، وأصل الإدبار والإقبال، على نحو ما يقع أحيانا كثيرة في هذا الزمان، فكيف ننكر أن يكون إسراف الصوفية في ذم الدنيا أثرا من آثار ذلك الإضطراب في السياسة والخلق والدين؟ وما هي تلك الدنيا البشعة التي يستجيز أهلها الغدر والعقوق؟ وهل يغدر الغادر ويعق العاق إلا وهو مؤيد بقوى خفية من الطمع والجشع، وحب التملك والاستعلاء؟
إن مطامع الدنيا هي الأصل في فساد الأخلاق، فهل يلام الصوفية على تحقيرهم إياها، ورمى عشاقها بالإثم والبهتان، وحربهم بأقوال الحكماء والأنبياء والمرسلين؟
إننا نتهم الصوفية بالضعف حين يفرون من دنيا السفهاء، فلنجالد نحن، ولننظر عواقب المعركة بين الهدى والضلال، وأغلب الظن أننا سنرمي الراية يائسين؛ لأن هنالك سرا لا يعلمه إلا علام الغيوب، هنالك المشكلة الباقية التي قضت بأن لا يخلص العالم من اشتباك الحلم والجهل، والعقل والجنون.
إن رجل الأخلاق ليس أحسن حالا من راعى الغنم، يجمع هذه فتنفر تلك، ولا يزال معذب القلب بين الشاردات والواردات، وليس أعظم قدرة من المدرس الذي يساق إليه التلاميذ بلا تخير ولا اصطفاء، ثم يطلب منه أن يتعلم تلاميذه جميعا وأن ينجحوا جميعا.
من الحق أن تطالب رجل الأخلاق بالثبات، ولكن من الظلم أن لا تشفق عليه حين ينهزم؛ فإن الضعف أنفذ سهما من القوة في عالم الأخلاق، أنت تعظ ولكن أين من يسمع؟ وتسير في طريق الهدى ولكن أين من يسايرك؟ وتبنى، ولكن أين من يشد أزرك، ويحمل معك أحجار الأساس؟!