أفي الحق أن الدنيا بنيت على الكيد والفتك والنفاق؟ ليكن ذلك، ولكن لا تنكروا أنها أعظم مما تتوهمون، إن في الدنيا جمالا جذابا يستهوي العقول والقلوب، وهي صالحة كل الصلاحية لأن تكون من ميادين المجد في عالم الأخلاق، ولكن أين الصابرون؟ وأين المحتسبون؟ كل امرئ في دنيانا يود أن يغنم المعركة في لحظة واحدة، وإلا ففي مهاوي الفرار متسع للجميع، وقود عجز الصوفية ثم تواصوا بالتقهقر والانسحاب، فلنسجل عليهم هذه الخزية البلقاء.
الدنيا في كلام الأنبياء
اهتم الصوفية بنقل ما قال الرسول في ذم الدنيا، فحدثونا أنه وقف على مزبلة. وقال: هلموا إلى الدنيا، وأخذ خرقا قد بليت على تلك المزبلة وعظاما قد نخرت، فقال: هذه الدنيا
2
وحدثونا أنه قال: ألهاكم التكاثر، يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت؟
2
وأنه قال: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم له، وعليها يحسد من لا فقه له، ولها يسعى من لا يقين له.
2
وحدثوا أن أبا هريرة قال: قال لي رسول الله
صلى الله عليه وسلم : يا أبا هريرة، ألا أريك الدنيا جميعها بما فيها؟ فقلت: بلى، يا رسول الله، فأخذ بيدي وأتى بي واديا من أودية المدينة فإذا مزبلة فيها رؤوس أناس وعذرات وخرق وعظام. ثم قال: يا أبا هريرة، هذه الرؤوس كانت تحرص كحرصكم، وتأمل كأملكم، ثم هي اليوم عظام بلا جلد، ثم هي صائرة رمادا، وهذه العذرات هي ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها ثم قذفوها من بطونهم فأصبحت والناس يتحامونها، وهذه الخرق البالية كانت رياشهم ولباسهم فأصبحت والرياح تصفقها. وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد، فمن كان باكيا على الدنيا فليبك.
3
ولم يكتف الصوفية بكلام نبي المسلمين فنقلوا عن صحف إبراهيم هذه الكلمات: «يا دنيا ما أهونك على الأبرار الذين تصنعت وتزينت لهم، إني قذفت في قلوبهم بغضك، والصدود عنك، وما خلقت خلقا أهون علي منك، كل شأنك صغير، وإلى الفناء يصير، قضيت عليك يوم خلقتك أن لا تدومي لأحد، وإن بخل بك صاحبك وشح عليك.
4
ومضوا يقصون أخبار المسيح فرووا أنه اشتد عليه المطر والرعد والبرق فجعل يطلب شيئا يلجأ إليه فوقعت عينه على خيمة من بعيد، فأتاها فإذا فيها امرأة فحاد عنها، فإذا هو بكهف في جبل فأتاه فإذا فيه أسد فوضع يده عليه وقال: إلهي لكل شيء مأوى، ولم تجعل لي مأوى، فأوحى الله تعالى إليه: مأواك في مستقر رحمتي، لأزوجنك يوم القيامة مئة حوراء خلقتها بيدي، ولأطعمن في عرسك أربعة آلاف عام، كل يوم منها كعمر الدنيا، ولآمرن مناديا ينادي: أين الزهاد في الدنيا، زوروا عرس الزاهد في الدنيا عيسى ابن .مريم
4
وحدثوا أنه مر بقرية فإذا أهلها موتى في الأفنية والطرق، فقال: يا معشر الحواريين، إن هؤلاء ماتوا عن سخطة، ولو ماتوا عن غير ذلك لتدافنوا، فقالوا: يا روح الله، وددنا أنا علمنا خبرهم، فسأل الله تعالى فأوحى إليه: إذا كان الليل فنادهم يجيبوك، فلما كان الليل أشرف على نشز ثم نادى: يا أهل القرية، فأجابه مجيب: لبيك يا روح الله. فقال: ما حالكم وما قصتكم؟ قال: بينا نحن في عافية أصبحنا في الهاوية. قال: وكيف ذلك؟ قال: لحبنا الدنيا وطاعتنا أهل المعاصي، قال: وكيف كان حبكم للدنيا؟ قال: حب الصبي لأمه، إذا أقبلت فرح بها وإذا أدبرت حزن وبكى عليها. قال: فما بال أصحابك لم يجيبوني؟ قال: لأنهم ملجمون بلجم من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد. قال: فكيف أجبتني من بينهم؟ قال: لأني كنت فيهم ولم أكن منهم. فما نزل بهم العذاب أصابني معهم، فأنا معلق على شفير جهنم، لا أدري أنجو منها أم أكبكب فيها. فقال المسيح للحواريين: لأكل خبز الشعير بالملح الجريش ولبس المسوح والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا والآخرة.