هل الدنيا قبيحة في جميع الأحوال؟
وإسراف الصوفية في ذم الدنيا لا يخلو من غفلة وجهل، فللدنيا فتنة روحية، وفي الكفاح في مناكبها سحر وإشراق، والعليل هو الذي لا يدرك جمال هذا الوجود، ولا يعرف أن القبيح نفسه فيه شعر وجمال، وأن دمامة الأخلاق فيها فرص نورانية لمن يعرف على أي أساس بنيت هذه الدنيا الفيحاء.
إن الرجل الذي يعود إلى بيته وهو مهدم الأعصاب يزعجه صراخ الطفل، أفيكون انزعاجه دليلا على وجود البشاعة في صراخ الأطفال؟ وكيف والرجل السليم يرى في بكاء الطفل ملامح شعرية، ويتوسم في انفعالاتهم بوارق من نور الوجود؟
إن إسراف الصوفية في ذم الدنيا هو الشاهد على انحرافهم في فهم الأخلاق، وهو كذلك الشاهد على أن قواعد الأخلاق أقيمت في الأغلب على الأهواء الذاتية، فنحن نرضى عن الدنيا ساعة ونغضب ساعات، فتكون لنا عند الرضى آراء، وعند الغضب آراء، والصوفية أولى الناس بالتهمة عند الانحراف؛ لأن التصوف يقع في أكثر الأحيان عند المرض والمشيب، والمريض الأشيب ينظر إلى الدنيا نظرة الحقد والازدراء.
حقائق
إن أشنع غلطة اقترفها الصوفية هي التنفير من الدنيا، والدعوة إلى هجر ما فيها من الطيبات، وإصرارهم على إقناع الناس بأنهم يلدون للموت ويبنون للخراب. والحق أن كل ميلاد إلى موت، وأن كل بناء إلى خراب، ولكن بين الحالين مواسم للخير والبر والجمال والصفاء، ومن الحمق أن يجهل المرء أنه خلق لغاية نبيلة تتمثل في تطوره من حال إلى حال، وتنقله بين الحلم والجهل، والعقل والجنون. وكان الصوفية أجدر الناس بأن ينظروا هذه النظرة، وأن يتصوروا ما في تقلب الطباع من رونق وبهاء، ولكن خبز الشعير ولباس الصوف والملح الجريش، كل أولئك طبع أرواحهم بطابع التلوم والاشفاق.
كيف غاب عنهم وجه الخير في هذه الهموم السود التي يعانيها أشراف الرجال؟ وكيف غفلوا عن المغانم النفيسة التي يظفر بها من يحارب الخسة والدناءة والإسفاف ؟ إن فرص الجهاد لا تتاح إلا لمن ينغمس في الدنيا ويشهد ما يقع فيه الدنيويون من محاربة الشرف والصدق والنبل، ولو استمع العالم إلى نصائح الصوفية لضاعت أصول كثيرة من الخير والحق والجمال.
إن العالم الباقي لم يتمثل لعشاقه إلا عن طريق العمران: فهو قصور وأنهار وحدائق، وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون. ولو كان النعيم يبغض لذاته لما رضي الصوفية أن يجعلوه نصيبهم في دار البقاء، فلم يبق إلا أن يكون الكدر في هذه الدنيا أثرا من الانحراف في أخلاق الناس، وتكون النتيجة أن الناس أعطوا ملكا فلم يحسنوا سياسته، أعطاهم الله تلك الأنهار الجارية والرياض الحالية، وسخر لهم الشمس والقمر والنجوم، فغفلوا عن مفاتن ذلك الملك الذي ينتظم محاسن الأرض والسماء، وحولوا حياض الأزهار إلى ميادين تسفك فيها الدماء، وتزهق الأرواح.
الجمال في هذا الوجود
وكان الظن بالصوفية وهم من أهل البصائر والقلوب، أن يعرفوا قيمة هذه الدنيا، هذا الملك الذي ضيعه أهله، كان الظن بهم أن يجاهدوا ما فيه من شهوات وأباطيل، ولكنهم آثروا الهرب والانزواء، وصاروا يعرفون من أنهار الجنة ما لا يعرفون من أنهار هذا العالم، ويعلمون من أبواب جهنم ما لا يعلمون من أسباب انحطاط الأمم وضعف الشعوب، ويدركون من نعيم الآخرة ما لا يدركون من معنى الملك والقوة في هذا الوجود.
إن الاعتصام بشواهق الجبال فرارا من ظلم الناس فيه ملامح شعرية، ولكنه دليل على حب السلامة، وذلك من أخلاق الضعفاء، وأشرف منه أن تدخل المعركة، وأن يخضب الدم وجهك وصدرك ويديك، وأن تلقى الله بوجه شريف لم يعرف صاحبه الجبن ولا الرياء ولا الخداع.
الدنيا جنة دانية القطوف، وفي بعض أركانها أفاع وصلال، وما أفاعيها إلا لئام الناس، فكيف خانتكم الشجاعة أيها الصوفية فلم تقتلوا ما في تلك الجنة من خبيث الحشرات؟