تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

وهذا المقام يدل على أمرين:

الأول:

أن الأمراء والملوك كانوا منذ ذلك الزمان يشعرون بقوة أهل العلم والزهد والصلاح، وكانوا يحبون أن يستظهروا بهم، وكانوا كذلك يعرفون عنهم اللين في أغلب الأحيان، ولولا ذلك لقلت الرغبة في استدعاء مثل الأوزاعي في مثل ذلك الموقف.

والثاني:

أن الزهاد كانوا استطاعوا أن يخلقوا لهم عصبية يحسب حسابها في الأزمات السياسية، يؤيد هذا ما روى أن بعض الولاة هدد الأوزاعي مرة فقال له أصحابه: دعه، فو الله لو أمر أهل الشام أن يقتلوك لقتلوك.

19

وطمع الولاة والأمراء في لين أهل التصوف لا ينقض ما عرفوا به من الشجاعة الأدبية، فنحن لا نقول بأن تلك الشجاعة كانت من نصيب كل من تصوف، وإنما نجزم بأنها كانت من أخلاق كل من صدق في التصوف، والعصبية التي كانت تحميهم لا يمكن أن تغض من شجاعتهم الأدبية؛ لأنها في الأكثر عصبية عزلاء، ولأنها على كل حال من مغانمهم الأخلاقية؛ لأنهم اكتسبوها بفضل الصلاح والتقوى، وهو مكسب تبذل في سبيله أثمان غالية يعرفها من يعانون رياضة النفس على التجمل بالآداب الدينية.

وكان يتفق في أحيان كثيرة أن تقابل تلك الشجاعة باللطف، ومن طريف ذلك أن ابن هبيرة كتب إلى الحسن وابن سيرين والشعبي فقدم بهم عليه، فقال لهم: إن أمير المؤمنين يكتب إلي في الأمر إن فعلته خفت على ديني، وإن لم أفعله خفت على نفسي، فقال له ابن سيرين والشعبي قولا رققا فيه، وقال له الحسن: يا ابن هبيرة، إن الله يمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله. يا ابن هبيرة، خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله! يا ابن هبيرة، إنه يوشك أن يبعث الله إليك ملكا فينزلك عن سريرك إلى سعة قصرك، ثم يخرجك عن سعة قصرك إلى ضيق قبرك، ثم لا ينجيك إلا عملك. يا ابن هبيرة، إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

20

والطريف في هذا الموقف أن ابن هبيرة أمر للحسن بأربعة آلاف درهم، وأمر لابن سيرين والشعبي بالفين، فقالا: رققنا فرقق لنا!

خلاصة البحث

وهناك مواقف لأبي حازم مع سليمان بن عبد الملك، وابن السماك مع الرشيد. والمقام يضيق عن الاستقصاء، ولو مضينا نستقري أخبار الصوفية في مختلف العصور لرأينا لهم كثيرا من أمثال هذه المواقف، والناس في مصر وفي تركيا خاصة يذكرون حوادث جرت لأهل الورع والدين مع الولاة والسلاطين، ومناقب الصوفية تفيض بأمثال هذه الأخبار. وأكثرها صدق، والمخترع منها له دلالة خلقية، فهو شاهد بأن الناس كانوا يشهدون للصوفية بالشهامة والجهر بكلمة الحق.

وقد رأينا أن تلك المواقف عادت بفوائد كثيرة على الأدب والأخلاق فهي من حيث الصورة نماذج أدبية، وهي من حيث المعنى لا تزال توحي بالحرص على التخلق بأخلاق الرجال.

21

| الدنيا في أذهان الصوفية

ذم الصوفية للدنيا شاهد على تعلقهم بها

زارت رابعة أصحابها فذكروا الدنيا فأقبلوا على ذمها فقالت: اسكتوا عن ذكرها؛ فلولا موقعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها، ألا من أحب شيئا أكثر من ذكره.

1

وإني لأخشى أن تكون هذه النظرة مما يصدق في أكثر الصوفية: فهم جميعا يذمون الدنيا، ويخافون شرها، ويكثرون من تقبيحها والتنفير منها، ويندر أن يكتب في التصوف كتاب ولا تكون الدنيا شغل المؤلف وهمه في أكثر الفصول. والواقع أن الدنيا شغلت الصوفية فلم تخل منها قلوبهم طرقة عين، ولو خلت منها قلوبهم لما طوقوها بقلائد الهجاء، وإنما مثلها في أنفسهم مثل المرأة المطلقة التي يحن إليها زوجها ويتمنى لو عادت لياليها الملاح، وكيف يخلص الناس من فتنة دنياهم وهم مقيدون بما فيها من هواء وماء؟ إن النفحة السماوية التي يتشوقون إليها لم تكن إلا لفتة فنية، والتطلع إلى السماء إنما هو كبر إنساني شريف، ولكنه على ما فيه من شرف لا يخلو من تهور واعتساف، فالإنسان من الأرض خلق وإلى الأرض يعود، والنفس على ما فيها من رقة وصفاء قيدتها الإرادة الأزلية بأسباب العيش، وفرضت عليها الخضوع لسلطان الأمعاء، فليصنع الصوفية ما يشاءون فسيظل ابن آدم منسوبا إلى الطين والماء.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٧١