صلى الله عليه وسلم
قال: «ما من راع يبيت غاشا لرعيته إلا حرم الله عليه رائحة الجنة»، فحقيق على الوالي أن يكون لرعيته ناظرا، ولما استطاع من عوراتهم ساترا، وبالقسط فيما بينهم قائما، لا يتخوف محسنهم منه رهقا، ولا مسيئهم عدوانا، فقد كانت بيد رسول الله جريدة يستاك بها ويردع عنه المنافقين، فأتاه جبريل فقال: «يا محمد، ما هذه الجريدة بيدك؟ اقذفها لا تملأ قلوبهم رعبا» فكيف من سفك دماءهم، وشقق أبشارهم، وأنهب أموالهم! يا أمير المؤمنين، إن المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر دعا إلى القصاص من نفسه بخدش خدشه أعرابيا لم يتعمده فهبط جبريل فقال: يا محمد، إن الله لم يبعثك جبارا تكسر قرون أمتك ... إن الدنيا تنقطع ويزول نعيمها، ولو بقي الملك لمن قبلك لم يصل إليك يا أمير المؤمنين، ولو أن ثوبا من ثياب أهل النار علق بين السماء والأرض لآذاهم، فكيف من يتقمصه؟ ولو أن ذنوبا
14
من صديد أهل النار صب على ماء لآجنه،
15
فكيف بمن يتجرعه، ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لذاب، فكيف من سلك فيها ويرد فضلها على عاتقه!
واعلم أن السلطان أربعة: أمير يظلف نفسه وعماله، فذلك له أجر المجاهد في سبيل الله، وصلاته سبعون ألف صلاة، ويد الله بالرحمة على رأسه ترفرف، وأمير رتع ورتع عماله، فذلك يحمل أثقاله وأثقالا مع أثقاله وأمير يظلف نفسه
16
ويرتع عماله، فذاك الذي باع آخرته بدنيا غيره، وأمير يرتع ويظلف عماله فذاك شر الأكياس.
17
ولهذا الحديث بقية، وما سلف منه يبين مسلك الأوزاعي في النصح، وجرأته في مصارحة الخلفاء. والشجاعة من أخص صفات الزاهدين والصالحين.
وللأوزاعي موقف مع عبد الله بن علي يعد من أخطر المواقف؛ لأنه يمس الأحقاد السياسية، وللسياسة أحقاد سود تذهب بالحلم والعقل، وكان ذلك الموقف بعد أن أجلى عبد الله بني أمية عن الشام، وأزال الله دولتهم على يديه، فقد طلب الأوزاعي ليسأله رأيه فيما صنع ببني أمية، وكان ينتظر بالطبع أن يظفر منه بكلمات من الثناء يفل بها حدة من ينكرون عليه الإسراف في النهب والقتل، ولكنه فوجئ بما لم يكن في الحسبان، وأراه الأوزاعي أن في الدنيا ناسا يجهرون بكلمة الحق في أحرج المواقف والمقامات.
قال الأوزاعي: فدخلت عليه وهو على سرير، والمسودة عن يمينه وشماله معهم السيوف مطلقة، فسلمت عليه فلم يرد، ونكت بتلك الخيزرانة التي بيده، ثم قال: يا أوزاعي، ما ترى فيما صنعنا من إزالة أيدي أولئك الظلمة عن البلاد والعباد، أجهاد هو؟ قال: فقلت: أيها الأمير، سمعت يحيى بن سعيد الأنصاري يقول: سمعت عمر ابن الخطاب يقول: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». قال: فكنت بالخيزرانة أشد ما كان ينكت، وجعل من حوله يقبضون أيديهم على قبضات سيوفهم، ثم قال: يا أوزاعي، ما تقول في دماء بني أمية؟ فقلت: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب والزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة»، قال: فنكت بها أشد من ذلك، ثم قال: ما تقول في أموالهم؟ فقلت: إن كانت في أيديهم حراما فهي حرام عليك أيضا، وإن كانت لهم حلالا فلا تحل لك إلا بطريق شرعي، قال: فنكت أشد مما كان ينكت قبل ذلك، ثم قال: ألا نوليك القضاء؟ فقلت: إن أسلافك لم يكونوا يشقون علي في ذلك، وإني أحب أن تتم ما ابتدأوني به من الإحسان، فقال: كأنك تحب الانصراف، فقلت: إن ورائي حراما وهم محتاجون إلى القيام عليهن وسترهن وقلوبهن مشغولة بسببي، قال: وانتظرت رأسي يسقط بين يدي ، فأمرني بالانصراف، فلما خرجت إذا رسول من ورائي، وإذا معه مائتا دينار فقال: يقول لك الأمير: استنفق بهذه، قال: فتصدقت بها، وإنما أخذتها خوفا.