تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجاء المؤذنون فسلموا عليه فصلى وعاد إلى مجلسه، وطلب الرجل فلم يوجد.

13

ولكن أكان المنصور حقا متسامحا حتى يستمع مثل هذا الحساب؟ أنا أستبعد أن يكون هذا الحديث صحيحا، وأرجح أنه وضع لغاية من غايات المعارضين، ودليل هذا الترجيح أن القائل مجهول: فهو أحد الزهاد، وأنه حفظ بلغة قوية، لا يعقل أن تسمع فتحفظ، ولو كان حوارا طارئا طلب صاحبه فلم يوجد لما أمكن أن تحفظ منه هذه الصورة القوية.

والمعقول أن يكون هذا الحديث من وضع رجل ثائر كان يكره بني أمية وبني العباس، فإن التعمق في وصف حجاب المنصور، وما كان يقع لعهده من إغفال المظالم، ومن سيطرة الوزراء لا يتفق إلا لرجل ثائر على تقاليد ذلك العهد. والثورة على الاستبداد بالملك وتصريف أمور الناس كانت كثيرة الوقوع في تلك الأيام، وكانت التورية عن فساد النظام مما يطيب للكتاب والشعراء. وقد كثر القول بأن ابن المقفع لم يترجم كليلة ودمنة إلا ليحارب به ما كان يراه من ظلم الخلفاء، فليس من المستبعد أن توضع الأحاديث على ألسنة الزهاد ليكون في إذاعتها تنديد بالسياسة الظالمة التي يرتكبها خلفاء بني العباس في بعض الأحيان.

ولنتذكر أن شخصية «الوزير» ملحوظة في هذا الحديث، والوزير كان في تلك العهود نموذجا من نماذج الغطرسة والعنف والإجحاف، وكان لا بد أن يحاربه الناس بسوء القالة إن عجزوا عن محاربته بالسلاح.

ومنشئ هذا الحديث جعل بطله من الزهاد، وهذا يدلنا على أن الصوفية في تلك الأيام كانت لهم سلطة روحية وخلقية، وكان من المعروف عنهم أن يجهروا بكلمة الحق، وأن لا يبالوا غضب الخلفاء والوزراء، فاختيار بطل الحديث من الصوفية هو الشاهد على ما كان يعرف عنهم من الشجاعة الأدبية.

ولسنا نعرف بالضبط من أي حزب كان منشئ هذا الحديث، والظاهر أنه كان يميل إلى الصوفية، فقد قال له المنصور: كيف أحتال لنفسي؟ فأجاب: إن للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم، ويرضون بهم، فاجعلهم بطانتك يرشدوك، وشاورهم في أمرك يسددوك.

ولم يكتف بهذا في تمجيد أصحابه من أهل الزهد، بل ادعى أن المنصور قال: قد بعثت إليهم فهربوا مني، وهو بذلك يجعلهم أصلح الناس لولاية الأمر، وأخوفهم من الاتصال بأهل الدنيا، وأقدرهم على احتقار المناصب البراقة: مناصب الوزراء.

وجملة القول: أن هذا الحديث يشهد بأن أحزاب المعارضين كانت تتستر باسم الزهاد والصوفية، ومعنى ذلك أن الزهاد والصوفية كانوا معروفين بالجرأة والشجاعة في الدفاع عن الحق، وكان ما ينشر باسمهم خليقا بأن يتلقاه كبار الناس بالقبول. وبعض ذلك كاف للاقتناع بأنهم كانوا قوة خلقية في ذلك الحين.

شجاعة الأوزاعي في مواقف تحكمت فيها الأحقاد السياسية

ويماثل هذا المقام مقام الأوزاعي بين يدي المنصور، ذكره عبد الله المبارك عن رجل من أهل الشام قال: دخلت عليه فقال: ما الذي أبطأ بك عني؟ قلت: يا أمير المؤمنين، وما الذي تريد مني؟ فقال: الاقتباس منك. قلت: انظر ما تقول؛ فإن مكحولا حدثني عن عطية بن بشير أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قال: «من بلغه عن الله نصيحة في دينه فهي رحمة من الله سقيت إليه، فإن قبلها من الله بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه، ليزداد إثما وليزداد الله عليه غضبا، وإن بلغه شيء من الحق فرضي فله الرضا، وإن سخط فله السخط، ومن كرهه فقد كره الله؛ لأن الله هو الحق المبين».

فلا تجهلن. قال: وكيف أجهل؟ قال: تسمع ولا تعمل بما تسمع!

قال الأوزاعي: فسل علي الربيع السيف. وقال: تقول لأمير المؤمنين هذا ؟ فانتهره المنصور وقال: أمسك، ثم كلمه الأوزاعي وكان في كلامه أن قال: إنك قد أصبحت من هذه الخلاقة بالذي أصبحت به، والله سائلك عن صغيرها وكبيرها وفتيلها ونقيرها، ولقد حدثني عروة بن رويم أن رسول الله

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٦٩