فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد وأرسل إلى الرجل يدعوه، فصلى الرجل ركعتين واستلم الركن وأقبل مع الرسول فسلم عليه بالخلافة فقال له المنصور: ما الذي سمعتك تذكر من ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع، فوالله لقد حشوت مسامعي ما أرمضني.
11
فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها، وإلا احتجزت منك واقتصرت على نفسي ففيها لي شاغل، فقال المنصور: أنت آمن فقل، فقال: إن الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين ما ظهر من البغي والفساد لأنت!
فقال المنصور: ويحك! وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي، والحلو والحامض عندي؟
فقال الرجل: وهل دخل أحدا من الطمع ما دخلك؟ إن الله تبارك وتعالى استرعاك المسلمين وأموالهم، فأغفلت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الجص والآجر، وأبوابا من الحديد وحجبة معهم السلاح، ثم سجنت نفسك فيها عنهم، وبعثت عمالك في جباية الأموال وجمعها، وقويتهم بالرجال والسلاح والكراع، وأمرت بأن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان، نفر سميتهم، ولم تأمر بإيصال المظلوم، ولا الملهوف ولا الجائع العاري، ولا الضعيف الفقير، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، وأمرت أن لا يحجبوا عنك، تجبي
12
الأموال وتجمعها ولا تقسمها، قالوا: هذا قد خان الله، فما بالنا لا نخونه، وقد سجن لنا نفسه؟ فائتمروا بأن لا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا خونوه عندك، ونفوه حتى تسقط منزلته، ويصغر قدره. فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمتهم الناس وهابوهم فكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليقووا بها على ظلم رعيتك. ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا به ظلم من دونهم فامتلأت بلاد الله بالطمع بغيا وفسادا، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك، وأنت غافل. فإن جاء متظلم حيل بينه وبين دخول مدينتك، وإن أراد رفع قصته إليك ن ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك، وأوقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم، فإن جاء الرجل فبلغ بطانتك خبره سألوا صاحب المظالم ألا يرفع مظلمته إليك، فإن المتظلم منه له بهم حرمة، فأجابهم خوفا منهم، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث، وهو يدفعه ويعتل عليه، فإذا أجهد وأحرح وظهرت صرخ بين يديك فضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره، وأنت تنظر فلا تنكر، فما بقاء الإسلام على هذا! وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين فقدمتها مرة وقد أصيب ملكها بسمعه، فبكى يوما بكاء شديدا، فحثه جلساؤه على الصبر فقال: أما إني لست أبكي للبلية النازلة بي، ولكني أبكي لمظلوم بالباب يصرخ ولا أسمع صوته، ثم قال: أما إذ ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب، نادوا في الناس أن لا يلبس ثوبا أحمر إلا متظلم، ثم كان يركب الفيل طرفي نهاره، وينظر: هل يرى مظلوما؟ فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله غلبت رأفته بالمشركين شح نفسه، وأنت مؤمن بالله، ثم من أهل بيت النبي ولا تغلب رأفتك بالمسلمين على شح نفسك! فإن كنت إنما تجمع المال لولدك فقد أراك الله عبرا في الطفل يسقط من بطن أمه، وماله على الأرض مال، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه، فما يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس إليه. ولست بالذي تعطي، بل الله يعطي من يشاء ما يشاء. وإن قلت إنما أجمع المال لتشديد السلطان فقد أراك الله عبرا في بني أمية: ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة، وأعدوا من الرجال والسلاح والكراع، حين أراد الله بهم ما أراد، وإن قلت إنما أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنا فيها، فو الله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بخلاف ما أنت عليه. يا أمير المؤمنين، هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل؟ قال المنصور: لا. قال: فكيف تصنع بالملك الذي خولك ملك الدنيا وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل، ولكن بالخلود في العذاب الأليم، قد رأى ما قد عقد عليه قلبك، وعملته جوارحك، ونظر إليه بصرك، واجترحته يداك، ومشت إليه رجلاك، هل يغني عنك ما شححت عليه من الدنيا إذا انتزعه من يدك، ودعاك إلى الحساب؟ فبكى المنصور وقال: يا ليتني لم أخلق! ويحك! فكيف أحتال لنفسي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم ويرضون بهم، فاجعلهم بطانتك يرشدوك، وشاورهم في أمرك يسددوك، قال: قد بعثت إليهم فهربوا مني، قال: خافوا أن تحملهم على طريقتك، ولكن افتح بابك، وسهل حجابك، وانصر المظلوم، واقمع الظالم، وخذ الفيء والصدقات مما حل وطاب، واقسمه بالحق والعدل على أهله، وأنا الضامن عنهم أن يأتوك ويسعدوك على صلاح الأمة.