تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإني أقول لك يا هارون: إني أخاف عليك أشد الخوف يوما تزل فيه الأقدام، فهل معك رحمك الله من يشير بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشي عليه.

قال الفضل فقلت: ارفق بأمير المؤمنين! فقال: تقتله أنت وأصحابك، وأرفق به أنا؟

ثم أفاق. فقال له: زدني رحمك الله. فقال له: يا أمير المؤمنين، بلغني أن عاملا لعمر ابن عبد العزيز شكا إليه، فكتب إليه: يا أخي، أذكرك بسهر أهل النار في النار مع خلود الأبد. وإياك أن ينصرف بك من عند الله عز وجل فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء. فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله عز وجل.

قال: فبكى هارون بكاءا شديدا ثم قال له: زدني يرحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عم المصطفى

صلى الله عليه وسلم

جاء إلى النبي فقال: يا رسول الله، أمرني على إمارة، فقال له: يا عم، إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل.

فبكى هارون بكاء شديدا، وقال له: زدني رحمك الله، فقال: يا حسن الوجه، أنت الذي يسألك الله عز وجل عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه فافعل، وإياك أن تصبح أو تمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك.

فبكى هارون وقال له: هل عليك دين؟ فقال: نعم، دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجتي. قال الرشيد: إنما أعنى دين العباد. فقال الفضيل: إن ربي لم يأمرني بهذا، وقد قال عز وجل: إن الله هو الرزاق. فقال له الرشيد: هذه ألف دينار خذها وأنفقها على عيالك، وتقو بها على عبادتك، فقال: سبحان الله! أنا أدلك على طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا؟

6

العمري

ومن طريف المواقف ما حدث به سعيد بن سليمان قال:

كنت بمكة وإلى جانبي عبد الله بن عبد العزيز العمري، وقد حج هارون الرشيد وقال له إنسان: يا أبا عبد الله، هو ذا أمير المؤمنين يسعى، وقد أخلي له المسعى، قال العمري للرجل: لا جزاك الله عني خيرا، كلفتني أمرا كنت عنه غنيا. ثم قام فتبعه، فأقبل هارون الرشيد من المروة يريد الصفا، فصاح به: هارون! فلما نظر إليه قال: لبيك يا عمري! قال: ارق الصفا، فلما رقاها قال: ارم بطرفك إلى البيت، قال هارون: قد فعلت. قال: كم هم؟ قال: ومن يحصيهم؟ قال: فكم في الناس مثلهم؟ قال: خلق لا يحصيهم إلا الله! قال: اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه، وأنت وحدك تسأل عنهم كلهم، فانظر كيف تكون! - فبكى هارون - فقال العمري: وأخرى أقولها. قال: قل يا عم! قال: والله إن الرجل ليسرف في ماله فيستحق الحجر عليه، فكيف بمن أسرف في مال المسلمين!

قال البغوي: فبلغني أن هارون الرشيد كان يقول: إني لأحب أن أحج كل سنة ما يمنعني إلا رجل من ولد عمر يسمعني ما أكره.

7

وقريب من هذا المقام في الخشونة والصدق ما كان بين أبي حازم وسليمان بن عبد الملك، فقد حج سليمان وبعث إلى أبي حازم حين قدم المدينة للزيارة، فلما دخل قال: تكلم، يا أبا حازم، قال: فيم أتكلم، يا أمير المؤمنين؟ قال: في المخرج من هذا الأمر . قال: يسير، إن فعلته! قال: وما ذاك؟ قال: لا تأخذ الأشياء إلا من حلها، ولا تضعها إلا في أهلها. قال: ومن يقوى ذلك؟ قال: من قلده الله من أمر الرعية ما قلدك! قال: عظني يا أبا حازم. قال: اعلم أن هذا الأمر لم يصر إليك إلا بموت من كان قبلك، وهو خارج من يديك، بمثل ما صار إليك. قال: يا أبا حازم، أشر علي، قال: إنما أنت سوق، فما نفق عندك حمل إليك من خير أو شر، فاختر أيهما شئت! قال: ما لك لا تأتينا؟ قال: وما أصنع بإتيانك يا أمير المؤمنين، إن أدنيتني فتنتني، وإن أقصيتني أخزيتني، وليس عندك ما أرجوك له، ولا عندي ما أخافك عليه! قال: فارفع إلينا حاجتك. قال: قد رفعتها إلى من هو أقدر منك عليها، فما أعطاني منها قبلت، وما منعني منها رضيت.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٦٥