تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

ابن السماك

وكان في الزهاد من يغرب في الوعظ حتى يصل إلى الإسفاف في الصورة واللفظ، فقد قال الرشيد لابن السماك: عظني - وأتى بماء ليشربه - فقال: يا أمير المؤمنين! لو حبست عنك هذه الشربة، أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم! قال: فلو حبس عنك خروجها أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم! قال: فما خير في ملك لا يساوي شربة ولا بولة.

8

وهذه الغلظة أعقبت بكلمات أطيب من المسك، فقد قال الرشيد: يا ابن السماك، ما أحسن ما بلغني عنك! فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي عيوبا لو اطلع الناس منها على عيب واحد ما ثبتت لي في قلب واحد مودة، وإني لخائف في الكلام الفتنة، وفي السر الغرة، وإني لخائف على نفسي من قلة خوفي عليها.

8

صالح بن عبد الجليل

والواقع أن مقامات الزهاد عند الخلفاء والملوك تدل على أمرين: الأول: شجاعة أولئك الزهاد، وقدرتهم على الجهر بكلمة الحق، والثاني: صلاحية بعض الخلفاء والملوك لاستماع نصح الناصحين من أهل البر والتقوى، وإقبالهم على من ينهاهم عن المنكر ويأمرهم بالمعروف، يدل على ذلك قول صالح بن عبد الجليل بين يدي المهدي:

إنه لما سهل علينا ما توعر على غيرنا من الوصول إليك، قمنا مقام الأداء عنهم، وعن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

بإظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنهى عند انقطاع عذر الكتمان، ولا سيما حين اتسمت بميسم التواضع، ووعدت الله وحملة كتابه إيثار الحق على ما سواه، فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التمحيص ليتم مؤدينا على موعود الأداء، وقابلنا على موعود القبول، أو يزيدنا تمحيص الله إيانا في اختلاف السر والعلانية ويحلينا حلية الكذابين، فقد كان أصحاب رسول الله

صلى الله عليه وسلم

يقولون: من حجب الله عنه العلم عذبه على الجهل، وأشد منه عذابا من أقبل إليه العلم وأدبر عنه. ومن أهدى الله إليه علما فلم يعمل به فقد رغب عن هدية الله وقصر بها، فاقبل ما أهدى الله إليك من ألسنتنا قبول تحقيق، وعمل لا قبول سمعة ورياء، فإنه لا يعدمك منا إعلام لما تجهل، أو مواطأة على ما تعلم، أو تذكير من غفلة ... أطلع الله على قلبك ما ينوره من إيثار الحق ومنابذة الأهواء.

9

وكلام صالح هذا فيه تصريح بأن الزهاد كان يسهل عليهم ما يتوعر على غيرهم من الوصول إلى الخلفاء، وفيه كذلك تصريح بأن من المواعظ ما كان يقبله الخلفاء قبول سمعة ورياء، ومعنى هذا أن تقريب الزهاد كان من السياسة قبل أن يكون من الدين، أو هو مزاج من السياسة والدين، وهذا الملحظ قد يحط من شجاعة الزهاد وإخلاص الخلفاء، ولكن لا ريب في أن هذه المظاهر فيها خير ملموس، والزهاد لا يصلون إلى هذه المواطن إلا بعد أن يكونوا استطاعوا تثبيت سلطتهم الروحية، والخلفاء لا يستقدمون الزهاد ليسمعوا مواعظهم إلا وفي قلوبهم شيء من عناصر الرشد وأصول الاهتداء.

عمرو بن عبيد

غير أن هذه الوصولية السياسية لم تطرد في جميع المقامات، فقد كان المنصور يعرف عمرو بن عبيد قبل أن يتولى الخلافة، وكان يعتقد أنه على جانب عظيم من الصدق والإخلاص، فكان يستقدمه لينتفع برأيه، وإن كان ذلك لا يمنع أنه كان يسر بأن يقال إنه انتفع بمواعظ عمرو بن عبيد، والضمائر لا يعرفها إلا علام الغيوب.

ولنسق حديث ابن عبيد مع المنصور، فهو نموذج في الأدب وفي الأخلاق:

حدث إسحاق بن المفضل الهاشمي قال: إني لعلى باب المنصور يوما وإلى جنبي عمارة بن حمزة إذ طلع عمرو بن عبيد على حمار، فنزل عن حماره ثم دفع البساط برجله وجلس دونه، فالتفت إلي عمارة وقال: لا تزال بصرتكم ترمينا منها بأحمق! فما فصل كلامه من فيه حتى خرج الربيع، وهو يقول: أبو عثمان عمرو بن عبيد، قال: فوالله ما دل على نفسه حتى أرشد إليه، فأتكأه يده، ثم قال له: أجب أمير المؤمنين، جعلت فداك! فمرمتكئا عليه، فالتفت إلى عمارة فقلت له: إن الرجل الذي استحمقته قد أدخل وتركنا، فقال: كثيرا ما يكون ذلك، فأطال اللبث، ثم خرج الربيع وهو متوكئ عليه والربيع يقول: يا غلام، حمار أبي عثمان، فما برح حتى أتى بالحمار، فأقره على سرجه، وضم إليه نشر ثوبه، واستودعه الله. فأقبل عمارة على الربيع، فقال: لقد فعلتم اليوم بهذا الرجل ما لو فعلتموه بولي عهدكم لقضيتم ذمامه! قال: فما غاب عنك مما فعل به أكثر وأعجب! قال عمارة: فإن اتسع لك الحديث فحدثنا، فقال الربيع: ما هو إلا أن سمع الخليفة بمكانه فما أمهل حتى أمر بمجلس ففرش لبودا، ثم انتقل إليه والمهدي معه عليه سواده وسيفه، ثم إذن له. فلما دخل عليه سلم بالخلافة فرد عليه، وما زال يدنيه حتى أتكأه فخذه وتحفى به، ثم سأله عن نفسه وعن عياله يسميهم رجلا رجلا وامرأة امرأة، ثم قال: يا أبا عثمان، عظنا. فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٦٦