سأطلق لساني بما خرست عنه الألسن، تأدية لحق الله تعالى، إنه قد اكتنف رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، وخافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب للآخرة، وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، فإنهم لم يألوا الأمانة تضييعا، والأمة كسفا وخسفا، وأنت مسئول عما اجترموا، وليسوا مسئولين عما اجترمت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس عند الله غبنا من باع آخرته بدنيا غيره.
3
شعيب بن حرب والرشيد
وكان الصوفية يحسبون أنفسهم مسئولين عن تذكير الملوك، يدل على ذلك قول شعيب بن حرب:
بينا أنا في طريق مكنة إذ رأيت هارون الرشيد فقلت لنفسي: قد وجب عليك الأمر والنهي، فقالت لي: لا تفعل، فإن هذا رجل جبار، ومتى أمرته ضرب عنقك، فقلت لنفسي: لا بد من ذلك، فلما دنا مني صحت: يا هارون! قد أتعبت الأمة، وأتعبت البهائم! فقال: خذوه! فأدخلت عليه وهو على كرسي وبيده عمود يلعب به، فقال: ممن الرجل؟ قلت: من أفناء الناس، فقال: ممن؟ ثكلتك أمك! قلت: من الأبناء، قال: فما حملك على أن تدعوني باسمي؟ قال شعيب: فورد على قلبي كلمة ما خطرت لي قط على بال. فقلت له: أنا أدعو الله باسمه فأقول: يا الله، يا رحمن، ولا أدعوك باسمك؟ وما تنكر من دعائي باسمك؟ وقد رأيت الله سمى في كتابه أحب الخلق إليه محمدا، وكنى أبغض الخلق إليه أبا لهب فقال: تبت يدا أبي لهب! فقال هارون: أخرجوه، فأخرجوني.
4
وشعيب هذا صادق فيما حدث به، وهذا الصدق يرشدنا إلى ما كان يعرف عن الصوفية أحيانا من الحذلقة والتكلف، وإلا فما معنى هذه التهمة الجوفاء: يا هارون، قد أتعبت الأمة، وأتعبت البهائم!
وقد اتفق أن خطب المنصور فحمد الله ومضى في كلامه، فلما انتهى إلى (أشهد أن لا إله إلا الله) وثب رجل من أقصى المسجد، فقال: أذكرك من تذكر! فقال المنصور: سمعا لمن فهم عن الله وذكر به، وأعوذ بالله أن أكون جبارا عصيا، وأن تأخذني العزة بالإثم، لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين، وأنت والله أيها القائل ما أردت بها الله، ولكن حاولت أن يقال قام فقال فعوقب فصبر، وأهون بقائلها لو هممت، فاهتبلها ويلك إذا عفوت، وإياكم معشر الناس وأختها، فإن الموعظة علينا نزلت، ومن عندنا انبثت، فردوا الأمر إلى أهله يصدروه كما أوردوه.
5
وهذا الخبر يفهمنا أنه كانت هناك وثبات للواعظين، وأن الخلفاء كانوا يعرفون ذلك، وأنه كان من لذات بعض الناس أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر.
والحق أنه يعسر الاطمئنان إلى صدق الشجاعة الأدبية في جميع الأحوال، فهي في بعض الأحيان زهو وخيلاء، والإثم فيها أكبر من النفع، وهي كسائر الفضائل عرضة للرياء، والرياء يمحق جلائل الأعمال.
الفضيل بن عياض
ومن المؤكد أن الصوفية لم يكونوا جميعا مرائين، فلأكثرهم مقامات جمعت بين الشجاعة والصدق، ومن شواهد ذلك ما صنع الفضيل بن عياض مع الرشيد، فقد ذهب الرشيد لزيارته ليلا مع الفضل بن الربيع، فلما وصلا إلى بابه سمعاه يقرأ:
أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون
فقال الرشيد للفضل: إن انتفعنا بشيء فبهذا. فناداه الفضل: أجب أمير المؤمنين. فقال: وما يعمل عندي أمير المؤمنين؟ قال الفضل فقلت: سبحان الله! أما له عليك طاعة؟ فنزل ففتح الباب ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ السراج، ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت، فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا، فسبقت كف أمير المؤمنين قبلي إليه. فقال: يا لها من كف ما ألينها إن نجت غدا من عذاب الله عز وجل! فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام من قلب تقي. فقال له: خذ فيما جئناك له رحمك الله! فقال له: إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظي ، ورجاء بن حيوة، فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا علي، فعد الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة. فقال له سالم ابن عبد الله: إن أردت النجاة من عذاب الله فصم عن الدنيا، وليكن فطرك منها الموت. وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا، وأوسطهم عندك أخا، وأصغرهم عندك ابنا، فوقر أباك، وأكرم أخاك، وتحنن على ولدك. وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت.