فيك والصبر عنك ما لا يكون
2
وكان ذو النون يهيجه السماع، فقد حدثوا أنه لما دخل بغداد اجتمع إليه الصوفية ومعهم قوال فابتدأ ينشد:
صغير هواك عذبني
فكيف به إذا احتنكا
وأنت جمعت من قلبي
هوى قد كان مشتركا
أما ترثي لمكتئب
إذا ضحك الخلي بكى
فقام ذو النون وسقط على وجهه والدم يقطر منه.
3
ومن كلامه: الصوفية هم قوم آثروا الله على كل شيء، فآثرهم على كل شيء.
والكلام عن ذي النون كثير جدا، ويكفي أن نحيل القارئ على ترجمته في الجزء الثاني من كتاب (جامع كرامات الأولياء) للنابلسي، فقد جمع أكثر أخباره وكراماته، هو شخصية جذابة تستحق الدرس، ولكن منهج البحث لا يسمح بأكثر من هذه الفقرات.
شواهد من وصاياه
ونصائح ذي النون كثيرة جدا، وهي في فنون مختلفة من الأخلاق، ونحن ذاكرون طائفة قليلة تبين مذهبه في القول، وطريقته في إصلاح القلوب.
الوصية الأولى: «ليس بذي لب من كاس
4
في أمر دنياه، وحمق في أمر آخرته، ولا من سفه من مواطن حلمه، وتكبر في مواطن تواضعه، ولا من فقد منه الهوى في مواضع طمعه، ولا من غضب من حق إن قيل له، ولا من زهد فيما يرغب العاقل في مثله، ولا من رغب فيما يزهد الأكياس في مثله، ولا من استقل الكثير من خالقه عز وجل، واستكثر قليل الشكر من نفسه، ولا من طلب الإنصاف من غيره لنفسه، ولم ينصف من نفسه غيره، ولا من نسي الله في مواطن طاعته، وذكر الله في مواطن الحاجة إليه، ولا من جمع العلم فعرف به ثم آثر عليه هواه عند متعلمه، ولا من قل منه الحياء من الله على جميل ستره، ولا من أغفل الشكر عن إظهار نعمته، ولا من عجز عن مجاهدة عدوه لنجاته إذا صبر عدوه على مجاهدته، ولا من جعل مروءته لباسه، ولم يجعل أدبه وورعه وتقواه لباسه، ولا من جعل علمه ومعرفته تظرفا وتزيينا في مجلسه».
وهذه الوصية نقلها ابن عربي في الفتوحات،
5
ويظهر أنه قالها في أحد المجالس، بدليل قوله: «ثم قال: استغفر الله، إن الكلام كثير، وإن لم تقطعه لم ينقطع، ثم قام وهو يقول: لا تخرجوا من ثلاثة: النظر في دينكم بإيمانكم، والتزود لآخرتكم من دنياكم، والاستعانة بربكم فيما أمركم به، ونهاكم عنه».
الوصية الثانية: «ومن نظر في عيوب الناس عمي عن عيوب نفسه، ومن اعتنى بالفردوس والنار شغل عن القيل والقال، ومن هرب من الناس سلم من شرهم، ومن شكر المزيد زيد له».
6
الوصية الثالثة:
واعتل رجل من إخوان ذي النون فكتب إليه أن يدعو له فكتب إليه ذو النون:
سألتني أن أدعو الله لك أن يزيل عنك النعم، واعلم يا أخي أن العلة مجازاة يأنس بها أهل الصفاء والهمم والضياء ... ومن لم يعد البلاء نعمة فليس من الحكماء، ومن لم يأمن الشفيق على نفسه فقد أمن أهل التهم على أمره، فليكن معك يا أخي حياء يمنعك عن الشكوى، والسلام.
7
ومن هذه الشواهد القليلة نعرف اتجاه ذي النون في فهم الأخلاق، فهو رجل يرى الخير كل الخير في الأنس بطاعة الله، ويرى المغنم الحق في صفاء القلوب.
| الشجاعة الأدبية
حب الدنيا هو أصل الجبن
الشجاعة من أشرف مناقب الرجال، وهي من أظهر شمائل الصوفية، وإنما كان الصوفية من الشجعان لأنهم استهانوا بالدنيا، وزهدوا في طيبات العيش. وحب الدنيا والعيش أصل الجبن والخضوع، وما أحب رجل الدنيا إلا ذل، ورأى السلامة في التلمق والرياء.
وكيف لا يشجع من يتخلق بأدب أبي حازم إذ يقول: إنما بيني وبين الملوك يوم واحد، أما أمس فلا يجدون لذته، وأنا وهم من غد على وجل، وإنما هو اليوم، فما عسى أن يكون اليوم؟
1
شجاعة بنان الحمال
ولولا الشجاعة ما استطاع بنان الحمال أن يقدم على ما فعل يوم قام إلى وزير خمارويه فأنزله عن دابته، وكان نصرانيا، وقال: لا تركب الخيل ويلزمك ما هو مأخوذ عليكم في ملتكم.
2
أعرابي ينصح سليمان بن عبد الملك
ولولا الاستهانة بالعواقب ما استطاع رجل أن يقول لسليمان بن عبد الملك: