14
وإنما نقلنا هذا الخطاب على طوله لأنه وثيقة صوفية، والجنيد يبتدئ خطابه بالتذكير والتخويف، ويشير غلى ما ينتظر المتخلفين من الهول والفزع، ثم يترفق فيذكر أنه لم ينقطع عن مكاتبة رفيقه إلا خوفا من أن يقع كتابه في يد أناس لا يفقهون ما يقول، ويحكى أنه كتب مرة إلى أقوام من أهل أصبهان ففتح كتابه، وأخذت نسخته، واستعجم بعض ما فيه على قوم فأتعبه التخلص من ملاحقتهم بالقيل والقال، وكثرة السؤال. وفي هذه النقطة يظهر شيء من أحوال الصوفية: فقد كانوا يتكاتبون بما يشق فهمه على عامة الناس.
ثم ينتقل الجنيد فينصح رفيقه بهذه الكلمات:
فعليك رحمك الله بضبط لسانك، ومعرفة أهل زمانك، وخاطب الناس بما يعرفون، ودعهم مما لا يعرفون، فقل من جهل شيئا إلا عاداه.
ونشهد بأن هذه هي السياسة العليا، وهي تصلح للصوفية وغير الصوفية ولكن الصوفية إليها أحوج، لأنهم يعيشون في أودية من المعاني لا يفطن إليها إلا القليل.
وقد رأى الجنيد أن العلماء والحكماء رحمة من رحمة الله على عباده، ثم توجه إلى رفيقه بهذا النصح الحصيف: «فاعمل على أن تكون رحمة على غيرك، إن كان الله قد جعلك بلاء على نفسك».
وهو بذلك يوصيه أن يجمع بين حالين: حال الرفق مع الناس، وحال العنف مع النفس.
حرص الناس على وصايا الصوفية
ولنقيد أن الوصية كانت تطلب كثيرا جدا من الصوفية، فقد كان الناس يرونهم مظنة الخير والرشد، وينتظرون منهم كل جميل. ومن أمثلة الشغف بنصائحهم ما وقع لبشر الحافي وقد ظفر برؤية علي الجرجاني على عين ماء. قال بشر: فهرب مني وقال: بذنب مني رأيت اليوم إنسانا! فعدوت خلفه وقلت: أوصني، فقال: عانق الفقر، وعاشر الصبر، وعاد الهوى، وعاق الشهوات.
15
الروح الغالب على هذه الوصايا هو الدعوة إلى تطهير القلب، والتنفير من الدنيا الفانية، والتشويق إلى دار البقاء
وقد عقد الطوسي في كتاب اللمع فصلا لوصايا الصوفية، وهو فصل جيد تكفينا منه الإشارة إلى قول أبي سعيد الخراز لبعض أصحابه:
احفظ وصيتي، أيها المريد، وارغب في ثواب الله تعالى، وهو أن ترجع إلى نفسك الخبيثة فتذيبها بالطاعة وتميتها بالمخالفة، وتذبحها بالإياس فيما سوى الله، وتقتلها بالحياء من الله عز وجل، ويكون الله حسبك، وتسارع إلى جميع الخيرات، وتعمل في جميع المقامات وقلبك وجل أن لا يقبل منك.
16
وقول ذي النون:
يا أخي، اعلم أنه لا شرف أعلا من الإسلام، ولا كرم أعز من التقى، ولا عقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا لباس أجل من العافية، ولا وقاية أمنع من السلامة، ولا كنز أغنى من القنوع، ولا مال أذهب للفاقة من الرضا بالقوت، ومن اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة، والرغبة مفتاح التعب، ومطية النصب، والحرص داع إلى التهجم في الذنوب، والشره جامع لمساوئ العيوب، ورب طمع كاذب، وأمل خائب، ورجاء يؤدي إلى الحرمان، وأرباح تؤول إلى الخسران.
17
| وصايا ذي النون المصري
حياة ذي النون
من الصوفية من غلب عليه هذا الفن، وهو إسداء الوصايا والنصائح من هؤلاء ذو النون المصري، وهو رجل نشأ في أخميم، وتوفي بالجيزة سنة 246،
1
وكان ذو النون من أهل العلم، ولكن غلب عليه التصوف فشاعت عنه أمور دعت الناس إلى اتهامه بالزندقة، وسعى به قوم إلى المتوكل فاستحضره من مصر إلى بغداد، فسيق مقيدا مغلولا، وسافر معه جماعة من أهل مصر يشهدون عليه، فلما دخل على المتوكل وعظه فبكى ورده مكرما، وعاد خصومه خاسئين.
قال إسحق بن إبراهيم السرخسي: سمعت ذا النون وفي يده الغل، وفي رجله القيد، وهو يساق إلى المطبق والناس يبكون حوله وهو يقول: هذا من مواهب الله تعالى ومن عطاياه، وكل فعاله عذب حسن طيب، ثم أنشد:
لك من قلبي المكان المصون
كل لوم علي فيك يهون
لك عزم بأن أكون قتيلا