تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11

وسئل ابن سيرين: أي الآداب أقرب إلى الله تعالى وأزلف للعبد عنده؟ فقال: معرفة بربوبيته، وعمل بطاعته، والحمد لله على السراء، والصبر على الضراء.

11

وكتب يوسف بن الحسين إلى بعض الحكماء: (أشكو ركوني إلى هذه الدنيا وما أجد في طبعي من الأخلاق التي لست أرضاها من نفسي لنفسي).

فكتب إليه:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصل كتابك، وفهمت ما ذكرت، ومخاطبك أكرمك الله شريكك في شكواك، ونظيرك في بلواك. إن رأيت أن تديم الدعاء وقرع الباب فإنه من قرع الباب ولم يعجز عن القرع دخل، وإن تهيا لك ما تريد من الصفاء والطهارة فدع ما أنت فيه من البلاء من اقتراف مساوئ لا تجدي عليك منفعة في دينك ولا دنياك، وتجنب قرب من لا تأمن على نفسك في مواصلة الغفلة والبطالة، واستعن على ذلك كله بالقناعة والتجزي، وسله أن يمن عليك بتوبة طهري لا عملي، والسلام.

12

وكتب بعض إخوان سري السقطي إليه:

يا أخي، أوصيك بتقوى الله الذي يسعد بطاعته من أطاعه، وينتقم بمعصيته من عصاه، فلا تدعونك طاعته إلى الأمن من عذابه، ولا تدعونك معصيته إلى الإياس من رحمته، جعلنا الله وإياكم حذرين من غير قنوط، وله راجين من غير اغترار، والسلام.

13

وقد نظرت فرأيت للصوفية رسائل كثيرة تجري مجرى النصح، وتعين مقاصدهم في الحياة، وتبين إلى أي حد كانوا يهتمون بالأخلاق، ولنثبت هنا رسالة الجنيد إلى أبي بكر الكسائي، ففيها كثير من الإشارات التي توضح كيف كانوا يتواصون بالأدب والرفق:

أخي، أين محلك عند تعطيل العشار، وأين دارك وقد خربت الديار، وأين منزلك والمنازل قاع صفصف قفار، وأين مكانك والأماكن عواف دوارس الآثار، وماذا خبرك عند ذهاب جوامع الأخبار، وفيم نظرك عند اصطدام محاضر النظار، وفيم فكرك وليس بحين نظر ولا افتكار، وكيف هدوءك على ممر الليل والنهار، وكيف حذرك عند وقوع فواجع الأقدار، وكيف صبرك ولا سبيل إلى عزاء ولا اصطبار، فابك الآن إن وجدت سبيلا إلى البكاء، بكاء الوالهة الحزينة الموجعة الثكلى بفقد أعزة الألاف، وفناء أجلة الأخلاف، وإبادة ما مضى من الاكتناف، وذهاب مشايخ الاعتطاف، وورود بداية الاختطاف، وروادف عواصف الارتجاف وتتابع قواصف الانتساف، وبواهر قواهر الاعتكاف، وثواقب ملامح الاعتراف، فإلى أين موئلك، وإلام يبلغ مصدرك، والأحلام متمزقة، والقلوب متصدعة، والعقول منخلعة، والأنباء كلها مرتفعة، وأنت في أوابد مندمسة، ونجوم منطمسة، وسبل ملتبسة، قد أضلك في اختلاف مناهجها ظلماؤها، وانطبقت عليك أرضها وسماؤها. ثم أفضى بك ذلك إلى لجة اللجج والبحر الزاخر الغامر المختلج، الذي كل بحر دونه أو لجة، فهو فيه كتفلة أو مجة، فقد قذف بك في كثيف أمواجه، وتلاطم عليك بعظيم هوله وارتجاجه، فمن مستنقذك من متلفات المهالك، أو مخرجك مما هنالك؟ كتابي إليك، أبا بكر، وأنا أحمد الله حمدا كثيرا، وأسأله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وصل إلي منك كتب فهمت ما ذكرت فيها، ولم يمنعني من إجابتك عليها ما وقع في وهمك، وشق علي ما ذكرت من غمك، وليس حالك عندي حال معتوب عيه، بل حالك عندي حال معطوف عليه، وبحسبك من بلائك أن أكون سببا للزيادة في البلاء عليك، وإني عليك لمشفق، وإنما منعنى من مكاتبتك أني حذرت أن يخرج ما في كتابي إليك إلى غيرك بغير علمك، وذلك أني كتبت منذ مدة كتابا إلى أقوام من أهل أصبهان ففتح كتابي وأخذت نسخته، واستعجم بعض ما فيه على قوم فأتعبني تخلصهم، ولزمني من ذلك مؤونة عليهم، وبالخلق حاجة إلى الرفق، وليس من الرفق بالخلق ملاقاتهم بما لا يعرفون، ولا مخاطبتهم بما لا يفهمون، وربما وقع ذلك من غير قصد إليه، ولا تعمد له، جعل الله عليك واقية وجنة، وسلمنا وإياك، فعليك رحمك الله بضبط لسانك، ومعرفة أهل زمانك، وخاطب الناس بما يعرفون، ودعهم مما لا يعرفون، فقل من جهل شيئا إلا عاداه، وإنما الناس كالإبل المئة ليس فيها راحلة، وقد جعل الله تعالى العلماء والحكماء رحمة من رحمته وبسطها على عباده، فاعمل على أن تكون رحمة على غيرك إن كان الله قد جعلك بلاء على نفسك، واخرج إلى الخلق من حالك بأحوالهم، وخاطبهم من قلبك على حسب مواضعهم، فذلك أبلغ لك ولهم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٦١