7
فما الذي نراه في أمثال هذه النصائح؟ إنها نفثات موجهة إلى غاية واحدة هي إصلاح القلوب، والوسيلة هي التذكير بقارة الدنيا والترغيب في الأعمال الصالحات، فالزاهد حين ينصح لا يفكر في المعاش على نحو ما يفكر المعنيون بالشؤون الدنيوية، وإنما يفكر في إعداد النفس ليوم الحساب.
خصائص النصح عند الصوفية
وكان يتفق للصوفية أن يسلكوا في نصائحهم مسلك التعليل والتحليل كأكثر رجال الأخلاق، فنرى منهم من يعجب حين يرى طالب الدنيا أجد من طالب الآخرة، وخائفها أتعب من خائف الآخرة، وهو يعلم يقينا أنه رب مطلوب في الدنيا قد صار حين نيل حتفا لطالبه، وأنه رب مخوف فيها قد لحق كرها بالهارب منه فصار حظا له، وأن المطلوب إليه من أهلها ضعيف عن نفسه، محتاج إلى ربه، مملوك عليه ماله، مخزونة عنه قدرته، ثم يقضي بأن جماع ما يسعى له الطالب ويهرب منه الهارب أمران: أحدهما أجله، والآخر رزقه، ويعجب حين يرى الناس يختلفون في أمر الآخرة ولا يختلفون في أمر الدنيا، وكيف لا يكون خائف الآخرة لربه كخائف الدنيا لسلطانه، فيصبر على تجشم المكروه، وتجرع غصص الغيظ، ويتحفظ من أن يضمر له على غش أو يهم له بخلاف «فإن ابتلي بالسخط من سلطانه فكيف حزنه ووحشته، وإن أنس منه رضا عنه فكيف سروره واختياله، وإن قارف ذنبا إليه فكيف تضعضعه واستخذاؤه، وإن ندبه لأمر فكيف خفته ونشاطه، وإن نهاه عنه فكيف حذره واتعاظه، وهو يعلم أن خالقه ورازقه يعلم سره وجهره، ويراه في متقلبه ومثواه، ويعاينه في فضائحه وعورته، فلم يزعه عنها حياء منه، ولا تقية له، قد أمره فلم بأتمر، وزجره فلم يزدجر، حذره فلم يحذر، ووعده فلم يرغب، وأعطاه فلم يشكر، وستره فلم يزدد بالستر إلا تعرضا للفضائح، وكفاه فلم يقنع بالكفاية، وضمن له في رزقه ما هو في طلبه مشيح، ويقظه من أجله لما هو عنه لاه، وفرغه من العمل لما هو عنه بغيره مشغول».
8
ولنذكر أن هذا نوع من النصح الملفوف، وهو من المذاهب التعليمية، فقد كتب رجل من العباد خطابا إلى صديق له يستفتيه في تلك الدقائق التي لخصناها في هذه الفقرة، فأجابه الصديق بخطاب مطول بين فيه أن اليقين كالشجرة النابتة في القلب أغصانها العمل، وثمرتها الثواب، ثم قال: «وأما قولك: كيف لم يكن خائف الآخرة لربه كخائف الدنيا لسلطانه، فإن الله عز وجل خلق الإنسان ضعيفا، وجعله عجولا، فهو لضعفه موكل بخوف الأقرب، فالأقرب مما يكره، وهو بعجلته موكل بحب الأعجل، فالأعجل مما يشتهي، وزاده حرصا على المخلص من المكروه، وطلبا للمحبوب، حاجته إلى الاستمتاع بمتاع الدنيا الذي لولا ما طبع عليه القلب من حبه، وسهل على المخلوقين من طلبه، لما انتفع بالدنيا منتفع ولا عاش فيها عائش».
9
والخطاب والجواب يرجعان إلى أصل واحد هو تعليل ما يغلب على النفس الإنسانية من الضعف.
نماذج من وصايا النساك
وأقدم النصائح الصوفية في الإسلام نصائح علي بن أبي طالب، وهي كثيرة جدا، نكتفي منها بقوله: «إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا. ألا إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطا والتراب فراشا والماء طيبا، ألا من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن الحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات».
10
وللقارئ أن يرجع إلى الجزء الأول من نهج البلاغة فينظر في الصفحات 266، 277، 287، 392، 433 فإن فيها صورا مختلفة من وصايا ابن أبي طالب، وهي في الأغلب ترمي إلى تطهير النفس، وإصلاح القلب، والتنفير من الدنيا الفانية، والتشويق إلى دار البقاء.
وأثرت عن الصوفية أجوبة تعليمية في مسائل كثيرة، فقد قيل للحسن البصري: قد أكثر الناس تعلم الآداب، فما أنفعها عاجلا وأوصلها آجلا؟ فقال: التفقه في الدين فإنه يصرف إليك قلوب المتعلمين، والزهد في الدنيا فإنه يقربك من رب العالمين، والمعرفة بما لله عليك يحويها كمال الإيمان.