قدم هذا الفن في اللغة العربية
والوصايا من أقدم الفنون التي عرفتها البيئات العربية، والقرآن يحدثنا أن لقمان قال لابنه وهو يعظه:
يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ...
يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور * ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور * واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير .
2
وهي كذلك من أقدم الفنون التي عرفتها البيئات الفارسية، ومن أشهر ما أثر عن الفرس في هذا الباب كتاب أردشير بن بابك إلى بنيه والملوك من بعده، وهو كتاب طويل نقتبس منه هذه الفقرات:
رشاد الوالي خير للرعية من خصب الزمان. الملك والدين توأمان لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه ... واعلموا أنه ليس ينبغي للملك أن يعرف للعباد والنساك بأن يكونوا أولى بالدين منه ... واعلموا أنكم ستبلون على الملك بالأزواج والأولاد والقرباء والوزراء والأخدان والأنصار والأعوان والمتقربين والندماء والمضحكين، وكل هؤلاء إلا قليلا أن يأخذ لنفسه أحب إليه من أن يعطي منها عمله، وإنما عمله سوق ليومه وذخيرة لغده. فنصيحته للملوك فضل نصيحته لنفسه، وغاية الصلاح عنده صلاح نفسه، وغاية الفساد عنده فسادها، يقيم للسلطان سوق المودة ما أقام له سوق الأرباح والمنافع ... واعلموا أن لكل ملك بطانة، ولكل رجل من بطانته بطانة، ثم إن لكل امرئ من بطانة البطانة بطانة، حتى يجتمع من ذلك أهل المملكة، فإذا أقام الملك بطانته على حال الصواب فيهم أقام كل امرئ بطانته على مثل ذلك حتى يجتمع على الصلاح عامة الرعية.
3
وقد ازدهر هذا الفن في اللغة العربية، ودخل في أكثر أبواب الحياة، فهناك وصايا الخلفاء والملوك وهي التي تسمى «العهود»، ولكل طائفة وصايا، ومن أشهر الوصايا الأدبية وصية عبد الحميد بن يحيى التي وجهها إلى الكتاب، وهناك وصايا الآباء للأبناء، وقد كتبت عنها ثلاث مقالات نشرتها في البلاغ، ثم تبينت أنها تحتاج إلى درس أطول مما اشتملت عليه تلك المقالات الثلاث ... وقد انتقل هذا الفن إلى الفكاهة، فرأينا نماذج كثيرة من وصايا الطفيليين إلى أبنائهم، وكل أولئك يبين كيف صار هذا الفن مما يتبارى فيه الكتاب والشعراء.
وقد تعبنا في البحث عن الفروق الجوهرية التي يتميز بها هذا الفن في كلام الصوفية، ثم رأينا أن الفروق على كثرتها ترجع إلى باب واحد، فالوصايا في الأغلب تدور حول الشؤون المعاشية، وتطوف بالأصول من كرائم الخلال، كقول الأوس بن حارثة:
يا مالك، المنية ولا الدنية، والعتاب قبل العقاب، والتجلد لا التبلد، واعلم أن القبر خير من الفقر، ومن كرم الكريم الدفاع عن الحريم، وخير الغنى القناعة، وشر الفقر الضراعة، والدهر يومان: يوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر.
4
ولكنها عند الصوفية تنصب على أمور ذوقية وروحية، كأن يحدث من يقول: «أقبلنا قافلين من بلاد الروم نريد البصرة، حتى إذا كنا بين الرصافة وحمص سمعنا صائحا يصيح من بين تلك الرمال - سمعته الآذان ولم تره العيون - يقول: يا مستور يا محفوظ، اعقل في ستر من أنت؟ فإن كنت لا تعقل من أنت في ستره فاتق الدنيا فإنها حمى الله، فإن كنت لا تعقل كيف تتقيها فصيرها شوكا ثم انظر أين تضع قدميك منها».
5
وكأن يقول بعض الزهاد: «لا تغترن بطول السلامة مع تضييع الشكر، ولا تعملن نعمنة الله في معصيته، فإن أقل ما يجب لمهديها ألا تجعلها ذريعة إلى مخالفته، واستدع شارد النعم بالتوبة، واستدم الراهن منها بكرم الجوار، واستفتح باب المزيد بحسن التوكل».
6
وكأن يقول غيلان: «إن التراجع في المواعظ يوشك أن يذهب يومها ويأتي يوم الصاخة، كل الخلق يومئذ مصيخ يستمع ما يقال له ويقضى عليه، وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا، فاصمت اليوم عما يصمتك يومئذ، وتعلم ذلك حتى تعلمه، وابتغه حتى تجده، وبادر قبل أن تفجأك دعوة الموت، فإنها عنيفة إلا بمن رحم الله، فيقحمك في دار تسمع فيها الأصوات بالحسرة والويل والثبور، ثم لا يقالون ولا يستعتبون، إني رأيت قلوب العباد في الدنيا تخشع لأيسر من هذا وتقسو عند هذا، فانظر إلى نفسك أعبد الله أنت أم عدوه؟ فيا رب متعبد لله بلسانه، معاد له بفعله، ذلول في الانسياق إلى عذاب السعير في أمنية أضغاث أحلام يعبرها بالأماني والظنون، فاعرف نفسك، وسل عنها الكتاب المنير، سؤال من يحب أن يعلم، وعلم من يحب أن يعمل ... ولا تكن كعلماء زمن الهرج إن وعظوا أنفوا، وإن وعظوا عنفوا».