ثم يقول:
يا سميع يا قريب يا مجيب يا ودود. حل بيننا وبين فتنة الدنيا والنساء والغفلة والشهوة وظلم العباد وسوء الخلق، واغفر لنا ذنوبنا، واقض عنا تبعاتنا، واكشف عنا السوء، ونجنا من الغم، واجعل لنا منه مخرجا، إنك على كل شيء قدير.
والمؤلف يصور في هذه الفقرة ما يخشاه من الفتن والمكاره الدنيوية، ومن جيد التصوير لضعف النفس قوله:
وزحزحنا في الدنيا عن نار الشهوة، وأدخلنا بفضلك في ميادين الرحمة، واكسنا من لدنك جلابيب العصمة، واجعل لنا ظهيرا من عقولنا، ومهيمنا من أرواحنا، ومسخرا من أنفسنا؛ كي نسبحك كثيرا، ونذكرك كثيرا، إنك كنت بنا بصيرا.
والمهم في هذه الفقرة هو الرجاء في أن يجعل الله لنا ظهيرا من العقول، ومهيمنا من الأرواح، ومسخرا من النفوس.
ثم يقول: «واذكرنا إذا غفلنا عنك بأحسن ما تذكرنا به إذا ذكرناك، وارحمنا إذا عصيناك بأتم ما ترحمنا به إذا أطعناك. واغفر لنا ذنوبنا ما تقدم منها وما تأخر، والطف بنا لطفا يحجبنا عن غيرك ولا يحجبنا عنك، إنك بكل شيء عليم».
وصدر هذه الفقرة في غاية من الحسن عند من يتأملون.
ولننظر قوله في الخوف من النفس ومن خطرات المعصية: «اللهم إنا نسألك التوبة ودوامها، ونعوذ بك من المعصية وأسبابها، وذكرنا بالخوف منك قبل هجوم خطراتها، واحملنا على النجاة منها ومن التفكر في طرائقها، وامح من قلوبنا حلاوة ما اجتنيناه منها، واستبدلها بالكراهة لها والطعم لما هو بضدها، وأفض علينا من بحر كرمك وعفوك حتى تخرج من الدنيا على السلامة من وبالها».
والمؤلف في هذه الفقرة يصور ما تتعرض له النفس من الشوق إلى ما اجتنت من اللذات: فقد تتلفت النفس إلى لذاتها الماضية فيفسد عليها روح المتاب، وهو يرجو أن يذكره الله بالخوف منه قبل هجوم الخطرات، خطرات المعاصي والذنوب.
ثم يقول: «واجعل سيئاتنا سيئات من أحببت، ولا تجعل حسناتنا حسنات من من أبغضت، فالإحسان لا ينفع من البغض منك، والإساءة لا تضر مع الحب فيك، وقد أبهمت علينا الأمر لنرجو ونخاف: فآمن خوفنا، ولا تخيب رجاءنا، وأعطنا سؤلنا، فقد أعطيتنا الإيمان من قبل أن نسألك».
ولو مضينا لرأينا الشاذلي يدعو الله أن يهبه حقيقة الإيمان حتى لا يخاف غيره، ولا يرجو غيره ولا يحب غيره، ولا يعبد شيئا سواه، ورأيناه يقول:
فهأنذا عبدك إن تعذبني بجميع ما علمت من عذابك فأنا به حقيق.
في الأحزاب إشارات لا يفهمها غير كبار الحكماء
فيعترف بأنه لا ينال الرحمة إلا بفضل من الله، ثم يوفق كل التوفيق إذ يقول:
فليس كرمك مخصوصا بمن أطاعك وأقبل عليك، بل هو مبذول بالسبق لمن شئت من خلقك وإن عصاك وأعرض عنك. وليس من الكرم أن لا تحسن إلا لمن أحسن إليك، وأنت المفضال الغني، بل الكرم أن تحسن إلى من أساء إليك وأنت الرحيم العلي، كيف وقد أمرتنا أن نحسن إلى من أساء إلينا، فأنت أولى بذلك منا.
تلك إشارات إلى ما في حزب البر من الآيات فليرجع إليه القارئ إن شاء. وليرجع إلى أمثاله من مختلف الأحزاب ففيها خلق وفيها بيان. ومن موجبات الأسف أن لا يقرأ هذه الأحزاب غير العوام، مع أن فيها من دقائق الإشارات ما لا يفهمه غير كبار الحكماء.
| الوصايا والنصائح
في الوصايا ملامح من الأدب وأصول من الأخلاق
هذا الفن مزاج من الأدب والأخلاق: هو أدب لأن الناصحين كانوا يحرصون في الأغلب على جمال الصورة، فيسجعون ويزاوجون، كقول علقمة بن لبيد:
يا بني، إذا نزعتك إلى صحبة الرجال حاجة فأصحب من إذا صحبته زانك، وإن خدمته صانك، وإن أصابتك خصاصة مانك، وإن قلت صدق قولك، وإن صلت شد صولك، وإن مددت يدك بفضل مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن سألته أعطاك، وإن سكت عنه ابتداك، وإن نزلت بك إحدى الملمات آساك.
1
وهو أخلاق لأن الناصحين كانوا يفكرون أولا وقيل كل شيء في المعاني الخلقية، وكانت النصائح لا تصدر إلا عن أناس عرفوا بالحكمة وأصالة الرأي، وكانت لا توجه إلا إلى ناس يراد توجيههم إلى صالح الأعمال، ومن أجل ذلك أضفنا هذا الفصل إلى قسم الأخلاق.