استغاثة السهيلي
ولنقف في الاستغاثات عند منظومة السهيلي المتوفى سنة 581 وكان يحدث أصحابه بأنه ما سأل الله بها إلا أعطاه
يا من يرى ما في الضمير ويسمع
أنت المعد لكل ما يتوقع
يا من يرجى للشدائد كلها
يا من إليه المشتكى والمفزع
يا من خزائن رزقه في قول كن
امنن فإن الخير عندك أجمع
ما لي سوى فقري إليك وسيلة
وبالافتقار إليك فقري أدفع
ما لي سوى فزعي لبابك حيلة
فلئن رددت فأي باب أقرع
ومن الذي أدعو وأهتف باسمه
إن كان فضلك عن فقيرك يمنع
حاشا لجودك أن يقنط عاصيا
الفضل أجزل والمواهب أوسع
1
ولا تزال هذه الاستغاثة مما يتوسل به الصوفية وقد أثبتها مؤلفو مجموع الأوراد وأضافوا إليها هذا البيت في الصلاة على الرسول:
ثم الصلاة على النبي وآله
خير الأنام ومن به يتشفع
واهتم بتخميسها ثلاثة من أهل الفضل، وتخاميسهم محفوظة بدار الكتب المصرية.
الفرق بين الأحزاب والأوراد
أما الأحزاب فكثيرة جدا، والفرق بين الورد والحزب: أن الورد يقرأ في أوقات منظمة فيقال أوراد النهار وأوراد الليل، أما الحزب فليس لقراءته وقت مخصوص، وسنكتفي في هذا الفصل بالكلام عن حزب البر لأبي الحسن الشاذلي. وهو في رأينا أفضل الأحزاب من حيث اللفظ والمعنى، فهو في لفظه تحفة فنية قليلة النظائر، وهو في معناه قوة روحية وعقلية نادرة المثال.
تحليل حزب البر للشاذلي
والشاذلي يبدأ حزب البر بالاستعاذة والبسملة وآيات من القرآن كأكثر من أنشأوا الأحزاب ثم يأخذ في مخاطبة الله فيقول:
اللهم إنك تعلم أني بالجهالة معروف، وأنت بالعلم موصوف، وقد وسعت كل شيء من جهالتي بعلمك، فسع ذلك برحمتك كما وسعته بعلمك.
والمعنى في هذه الفقرة في غاية من القوة، فليتأمله القارئ، ثم يقول:
اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك، فهنيئا لمن عرفك فرضي بقضائك، والويل لمن لا يعرفك، بل الويل ثم الويل لمن أقر بوحدانيتك، ولم يرض بأحكامك.
وهو في هذه الفقرة يدعو إلى التفويض والامتثال، ثم يقول:
اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا، وحكمت عليهم بالفقد حتى وجدوا، فكل عز يمنع دونك فنسألك بدله ذلا تصحبه لطائف رحمتك، وكل وجد يحجب عنك فنسألك عوضه فقدا تصحبه أنوار محبتك.
وهو في هذه الفقرة يصرح بأن لا عز إلا بالله، ولا غنى إلا الله، ويرجو الحرمان من كل عز يمنع دون الله، وكل غنى يحجب عن الله، ثم يقول:
اللهم إنا قد عجزنا عن دفع الضر عن أنفسنا من حيث نعلم بما نعلم فكيف لا نعجز عن ذلك من حيث لا نعلم بما لا نعلم.
وهذه الفقرة من خير ما أنتجت القرائح، ولا يفنى ما فيها من قوة المعنى وطراقة الخيال.
والمؤلف يقول بعجز النفوس عن دفع الضر الذي تعرفه بما تعرف من وسائل الوقاية والمقاومة فكيف لا تجز عن دفع ما لا تعرف بما لا تعرف؟ وهو بهذا يؤمن بالمخاوف الغيبية ويسأل الله السلامة من الظاهرات والمستورات، ثم يقول:
وقد أمرتنا ونهيتنا، والمدح والذم ألزمتنا، فأخو الصلاح من أصلحته، وأخو الفساد من أضللته، والسعيد حقا من أغنيته عن السؤال منك، والشقي حقا من حرمته مع كثرة السؤال لك، فأغننا بفضلك عن سؤالنا منك، ولا تحرمنا من رحمتك مع كثرة سؤالنا لك، إنك على كل شيء قدير.
ودقة المعنى في هذه الفقرة لا تحتاج إلى بيان، ثم يقول:
يا شديد البطش يا جبار يا قهار يا حكيم نعوذ بك من شر ما خلقت، ونعوذ بك من ظلمة ما أبدعت، ونعوذ بك من كيد النفوس فيما قدرت وأردت، ونعوذ بك من شر الحساد على ما أنعمت، ونسألك عز الدنيا والآخرة كما سألكه نبيك سيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم ، عز الدنيا بالإيمان والمعرفة، وعز الآخرة باللقاء والمشاهدة، إنك سميع قريب مجيب.
والمؤلف يكشف في هذه الفقرة عن معان نفسية تمثل الخوف من مكنونات الوجود والفزع من شر الناس، ويفصح عن أمله في عز الدنيا والآخرة، فعز الدنيا هو المعرفة والإيمان، وعز الآخرة هو المشاهدة واللقاء. أما المال هنا والنعيم هناك فليس له حساب، والمؤمن المتصوف لا يفكر في النعيم المحسوس، وإنما يوجه رغائبه إلى النعيم المعقول.