تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

وقد أهدى إلينا الأستاذ سليم قبعين نسخة مخطوطة من رسالة للتوحيدي اسمها «الإشارات الإلهية» فنظرنا في الفاتحة فإذا فيها دعاء يثير الدمع، ويتفجر عند قراءته الحنان، فإن كان القارئ في حاجة إلى بينة على صحة ما نقول فليقرأ هذا الدعاء:

اللهم إنا نسألك ما نسأل لا عن ثقة ببياض وجوهنا عندك، وأفعالنا معك، وسوالف إحساننا قبلك، ولكن عن ثقة بكرمك الفائض، وطمعا في رحمتك الواسعة، نعم، وعن توحيد لا يشوبه إشراك، ومعرفة لا يخالطها إنكار، وإن كانت أعمارنا قاصرة عن غايات حقائق التوحيد والمعرفة، نسألك أن لا ترد علينا هذه الثقة بك فتشمت بنا من لم تكن له هذه الوسيلة إليك.

وقد رأينا في هذه المخطوطة إشارة تسمو بالتوحيدي إلى درجة التصوف، ولنتأمل كيف يقول:

حرام على قلب استنار بنور الله أن يفكر في غير عظمة الله.

حرام على لسان تعود ذكر الله أن يذكر غير الله.

حرام على نفس طهرت من أدناس الدنيا بطاعة الله أن تدنس بشيء من مخالفة الله.

حرام على عين نظرت إلى مملكة الله أن تحدق إلى غير الله.

حرام على كبد ابتلت بالثقة بالله أن تطمئن إلى غير الله.

حرام على من لم ير الخير إلا من الله أن يجد طمعا في غير الله.

حرام على من شرف بخدمة الله أن يتضع بخدمة غير الله.

حرام على من ألف فناء الله أن يعرج إلى غير الله.

حرام على من تلذذ بمناجاة الله أن يناجي غير الله.

حرام على من رتع في نعمة الله أن يعبد غير الله.

حرام على من سكن حرم الله أن يتعرض لحرم الله.

حرام على من دعا إلى الله أن يحب غير الله.

حرام على عبد الله أن يتخذ مولى سوى الله.

حرام على من أنس بالله أن يأنس بغير الله.

حرام على من عرف قدرة الله أن يتعرض لسخط الله.

وهذه قطعة طريفة تفيض بقوة الروح.

والشاهد من كل ما سلف أن التوحيدي يرى الدعاء من الفنون الأدبية فهو يكتب الأدعية كتابة الأديب الفنان، ويقصد إلى جعلها من النماذج البارعة في عالم البيان.

فمن أين جاءته هذه النزعة؟ أترون هذا الفن من مبتكراته؟ هيهات! لقد كان الرجل يزاحم ناسا ملأت أدعيتهم آفاق الأندية الأدبية، وهؤلاء الناس هم الزهاد والنساك والصوفية، وكان لنصائحهم ووصاياهم وأدعيتهم مكان مرموق في عالم الآداب.

إن الفن الأدبي لا يزدهر إلا حين يجد نفسا تصبو إليه وتتشهاه، وكان التوحيدي سبق بأجيال عرفت فضل البلاغة في كلام النساك، وكان الجاحظ قدوة التوحيدي، والجاحظ كان يحرص على تعطير كتبه برواية أقوال النساك والزهاد، فليس غريبا أن يعمد التوحيدي إلى ذلك الفن من البلاغة الدينية فيحتذيه احتذاء يدل على ذكاء القلب، وصفاء النفس، وحياة الوجدان.

فإن سأل القارئ: وأين مظاهر هذا الفن في العصر الحديث؟ فإنا نجيب بأنه انقرض ولم تبق إلا روايته وإنشاده في مجالس الصوفية، وربما رأينا من أهل التصوف في مصر من ينظم الأدعية ولكنهم يتكلفون متابعة القدماء. والصفاء في خواطرهم قليل. وأين الطرف المكحول من الطرف الكحيل!

أما الخيام فإنها كخيامهم

وأرى نساء الحي غير نسائها

| الاستغاثات والأحزاب

رأينا نماذج من الأدعية والأوراد، وعرفنا أن لذلك صلة وثيقة بالحياة الخلقية، ورأى القارئ كيف آثرنا الإيجاز على الإطناب؛ لأن الإشارة تكفي في هذا الباب، ولأن الأطناب نفسه لا يطفئ الشوق إلى المزيد، فليرجع القارئ إلى كتب التصوف؛ ففيها أوراد تجل عن الإحصاء، وحسبه أن يعرف أن لتلك الأوراد ملامح أدبية وخلقية: فهي باب من الأدب؛ لأن مؤلفيها كانوا يتحرون دقة الأسلوب وروعة الخيال، وهي من صميم الأخلاق؛ لأنها رياضة على التقرب إلى الله، والانقطاع إليه، والفناء فيما يريد.

ولنأخذ الآن في الحديث عن الاستغاثات والأحزاب، ولنوجز أيضا لأنه يتعذر توفية هذا النوع ما يستحق من الدرس في فصل من كتاب.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٥٦