تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذا الدعاء فنون من البديع لا تخفى على القارئ، وموضوعه يخالف موضوع الدعاء السالف.

وهذا لون رابع:

اللهم إليك أرفع عجري وبجري

5

وبك أستعين في عسري ويسري، وإليك أدعو رغبا ورهبا، فإنك العالم بتسويل النفس، وفتنة الشيطان، وزينة الهوى وصرف الدهر وتلون الصديق، وبائقة الثقة وقنوط القلب، وضعف المنة، وسوء الجزع، فقني اللهم ذلك كله، واجمع من أمري شمله، وانظم من شأني شتيته، واحرمني عند الغنى من البطر، وعند الفقر من الضجر، وعند الكفاية من الغفلة، وعند الحاجة من الحسرة، وعند الراحة من الفسولة، وعند الطلب من الخيبة، وعند المنازلة من الطغيان، وعند البحث من الاعتراض عليك، وعند التسليم من التهمة لك، وأسألك أن تجعل صدري خزانة توحيدك، ولساني مفتاح تمجيدك، وجوارحي خدم طاعتك، فإنه لا عز إلا في الذل لك، ولا غنى إلا في الفقر إليك، ولا أمن إلا في الخوف منك، ولا قرار إلا في القلق نحوك، ولا روح إلا في الكرب لوجهك، ولا ثقة إلا في تهمة خلقك، ولا راحة إلا في الرضا بقسمك، ولا عيش إلا في جوار المقربين عندك.

وهذا الدعاء على جانب عظيم من الأهمية، وفي صدره بعض الضعف، ولكن الشطر الأخير غاية في القوة، وهو يمثل كثيرا من المعاني النفسية كالبطر عند الغنى، والضجر عند الفقر، والغفلة عند الكفاية، والفسولة عند الراحة، والطغيان عند المنازلة، والاعتراض عند البحث.

ولا مفر من الثناء على هذه الفقرة إذ يخاطب الكاتب ربه فيقول: «إنه لا عز إلا في الذل لك، ولا غنى إلا في الفقر إليك، ولا أمن إلا في الخوف منك، ولا قرار إلا في القلق نحوك، ولا روح إلا في الكرب لوجهك، ولا ثقة إلا في تهمة خلقك».

والكلمة الأخيرة من وثبات الخيال.

وهذا لون خامس:

اللهم ببرهانك الصادع، وبنور وجهك الساطع، صل على محمد نبيك نبي الرحمة، وقائد الأمة، وإمام الأئمة، واحرس علي إيماني بك بالتسليم لك، وخفف عني مؤونة الصبر على امتحانك، وواصل لي أسباب المزيد عند الشكر على نعمتك، واجعل بقية عمري في غنى عن خلقك، ورضا بالمقدم من رزقك. اللهم إنك إن آخذتنا بذنوبنا خسفت الأرض بنا، وإن جازيتنا على ظلمنا قطعت دوابرنا، فإنك قلت:

فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمي

اللهم إليك نشكو قسوة قلوبنا، وغل صدورنا، وفتنة أنفسنا، وطموح أبصارنا، ورفث ألسنتنا، وسخف أحلامنا، وسوء أعمالنا، وفحش لجاجنا، وقبح دعوانا، ونتن أشرارنا، وخبث أخيارنا، وتلزق ظاهرنا، وتمزق باطننا. اللهم فارحمنا، وارأف بنا، واعطف علينا، وأحسن إلينا، وتجاوز عنا، واقبل الميسور منا؛ فإننا أهل عقوبة وأنت أهل مغفرة، وأنت بما وصفت به نفسك أحق منا بما وسمنا به أنفسنا، فإن في ذلك ما اقترن بكرمك، وأدى إلى عفوك ... الخ.

وهذا الدعاء طويل يجد القارئ بقيته في شرح ابن أبي الحديد

6

وهو يذكر بما سيوضع من الأحزاب، ففيه حديث عن قسوة القلوب، وغل الصدور، وفتنة النفوس، وطموح الأبصار، ورفث الألسنة، وسخف الأحلام، وسوء الأعمال، وذلك يدل على بصر التوحيدي بعصف الفتن في عالم الأخلاق.

ومن دقيق ما فيه الإشارة إلى قبح الدعوى، وفحش اللجاج، والنص على نتن الأشرار وخبث الأخيار، فهو يرى أن في الأخيار خبثا، وذلك من جانبه إسراف في اتهام الطبيعة الإنسانية، إلا إن قدرنا أنه يشير إلى أن الأخبار لا غنى لهم عن التحرز والخوف من سوء الخواتم.

هذا وللتوحيدي أدعية كثيرة فيها أدب وعقل وذكاء، ولا موجب لعرض ما وصلنا إليه من أدعيته في هذا الفصل فلنكتف بهذه الفقرات: «اللهم احجز بيننا وبين كل ما دل على غيرك ببيانك، ودعا إلى سواك ببرهانك». «اللهم قيض لنا فرجا من عندك، وأتح لنا مخلصا إليك، فأنا قد تعبنا بخلقك وعجزنا عن تقويمهم لك، ونحن إلى مقاربتهم في مخالفتك أقرب منا إلى منابذتهم في موافقتك». «اللهم إليك المفر من دار منهومها لا يشبع، وحائمها لا ينقع، وطالبها لا يربع، وواجدها لا يقنع ... اللهم كما ابتليت بحكمتك الخفية التي أشكلت على العقول وحارت معها البصائر فعاف برحمتك اللطيفة التي تطاولت إليها الأعناق، وتشوفت نحوها السرائر». «اللهم إنا قربنا منك فلا تبنا عنك، وظهرنا لك فلا تبطنا دونك، ووجدناك بما ألقيت إلينا من غيب ملكوتك، وعزفنا عن كل ما لوانا عن جنابك، ووثقنا بكل ما وعدتنا في كتابك».

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٥٥