تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولاستحل رجال مسلمون دمي

يرون أقبح ما يأتونه حسنا

إني لأكتم من علمي جواهره

كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

14

ومعنى ذلك أنه كان يفرق بين ما يلقى على العوام وما يلقى على الخواص.

| أدعية التوحيدي

لم يكن التوحيدي صوفيا بالمعنى المصطلح عليه عند أهل التصوف، فقد كان رجلا مشغولا بالأدب والمنطق والتوحيد، وكانت له في حياته جولات هجائية لا تخلو من لؤم وطيش، ولكنه حين انهزم في حياته المعاشية بدا يشعر بروح التصوف، وأخد يدعو بما دعا به بعض النساك:

اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالاقتار، فنسترزق أهل رزقك ونسال شر خلقك، ونبتلي بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من دونهم ولي الإعطاء، وبيدك خزائن الأرض والسماء.

1

وتدلنا فقرات فيما وصل إلينا من مؤلفاته على أنه كان يعني بتقييد ما يصل إليه من بليغ الدعاء، كأن يحدثنا أنه سمع الخوارزمي أبا بكر محمد بن العباس الشاعر البليغ يقول: «اللهم نفق سوق الوفاء فقد كسدت، وأصلح قلوب الناس فقد فسدت، ولا تمتني حت يبور الجهل كما بار العقل، ويموت النقص كما مات العلم».

2

فهو يذكر الخوارزمي باسمه وكنيته ويصفه بالشاعر البليغ، وفي هذا إشارة إلى عطفه عليه بسبب الروح الذي تنسمه في هذا الدعاء.

وهو نفسه كان يعطف على التصوف ويراه علما يدور بين إشارات إلهية، وأغراض علوية، وأفعاله دينية، وأخلاق ملوكية، ولم يمنعه هذا العطف من النص على أن الطريقة لحقها حيف لكثرة الدخلاء فيها كما لحق البلاغة لكثرة مدعيها، وذلك في رأيه لانقراض الدنيا وقرب أشراط القيامة».

3

فهو يمجد التصوف ولا يمقت إلا الأدعياء.

والمرجح عندنا أن التوحيدي لم يكلف بصوغ الأدعية إلا في أخريات حياته حين «بلغت شمسه رأس الحائط»،

4

ولذلك رأيناه يفتتح رسالة الصداقة والصديق بهذا الدعاء:

اللهم خذ بأيدينا فقد عثرنا، واستر علينا فقد أعورنا، وارزقنا الألفة التي بها تصلح القلوب وتنقى الجيوب، حتى نعيش في هذه الدار مصطلحين على الخير مؤثرين للتقوى عاملين بشرائط الدين، آخذين بأطراف المروءة، آنفين من ملابسة ما يقدح في ذات البين، متزودين للعاقبة التي لا بد من الشخوص إليها، ولا محيد من الاطلاع عليها، إنك تؤتي من تشاء ما تشاء.

وقد يقال إن أكثر المؤلفين يبتدئون مؤلفاتهم بالدعاء. ونجيب بأن هنا نفحة صوفية لا نجد مثلها فيما دعا به الجاحظ في فاتحة «البيان والتبيين».

على أن الجاحظ دعا مرة أو مرات، أما التوحيدي فقد اتخذ الدعاء فنا من فنون البيان، ولننظر هذا الدعاء:

اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الطلب إلا منك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بلائك، وأسألك أن تجعل الإخلاص قرين عقيدتي، والشكر على نعمك شعاري ودثاري، والنظر إلى ملكوتك دأبي وديدني، والانقياد لك شأني وشغلي، والخوف منك أمني وإيماني، واللياذ بذكرك بهجتي وسروري. اللهم تتابع برك واتصل خيرك، وعظم رفدك، وتناهى إحسانك، وصدق وعدك، وبر قسمك، وعمت فواضلك، وتمت نوافلك، ولم تبق حاجة إلا وقد قضيتها أو تكفلت بقضائها، فاختم ذلك كله بالرضا والمغفرة، إنك أهل ذلك والقادر عليه.

والقارئ مرجو أن ينظر براعة هذا الكاتب في تلوين الفواصل مع حروف الخفض في صدر هذا الدعاء، وما اتسق له بعد ذلك من المقابلة والازدواج.

وهذا لون ثالث من الدعاء:

اللهم إني أسألك خفايا لطفك، وفواتح توفيقك ومألوف برك، وعوائد إحسانك، وجاه المجتبين من ملائكتك، ومنزلة المصطفين من رسلك ومكاثرة الأولياء من خلقك، وعاقبة المتقين من عبادك، وأسألك القناعة برزقك، والرضا بحكمك، والنزاهة عن محظورك، والورع في شبهاتك، والقيام بحجتك، والاعتبار بما أبديت، والتسليم لما أخفيت، والإقبال على ما أمرت، والوقوف عما زجرت، حتى أتخذ الحق حجة عندما خف وثقل، والصدق سنة فيما عسر وسهل، وحتى أرى أن شعار الزهد أعز شعار، ومنظر الباطل أشوه منظر، فأتبختر في ملكوتك فضفاض الرداء بالدعاء إليك، وأبلغ الغاية القصوى بين خلقك بالثناء عليك.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٥٤