8
وأهم ما ينبغي النص عليه في هذا المقام هو الأدعية الإنجيلية، أو المناجاة الإنجيلية، وهي أكبر مناجاة ظهرت من فيض الله على لسان زين العابدين.
9
وسميت هذه المناجاة بالإنجيلية لأن فقراتها تشبه أكثر فقرات الإنجيل النازل على عيسى عليه السلام لا الإنجيل المتداول بين النصارى الآن.
9
وهنا بيت القصيد، فقد أشرنا مرات كثيرة إلى أن الصوفية كانوا يرون المسيح قدوة في الشؤون الروحية.
والواقع أن المسلمين عرفوا الإنجيل منذ زمن بعيد، وقد ترجموه ترجمة فصيحة جدا، ومن تلك الترجمة الفصيحة شواهد كثيرة في كتب الأدب والتصوف كالذي نراه في كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة، وكتاب الإحياء للغزالي.
والتشابه كبير جدا بين مذاهب النصارى ومذاهب الصوفية في التعبد، فالنصراني المتبتل يدخل الكنيسة وفي جيبه كتاب يشمل على طوائف من الأدعية والصلوات، والصوفي المخلص يدخل المسجد وفي يده كتاب يشمل على طوائف من الاستغاثات والأحزاب والأوراد.
وكتاب الصحيفة السجادية يشبه من نواح كثيرة كتاب الاقتداء بالمسيح والفرق الوحيد بين الكتابين أن الدعاء في كتبا الاقتداء بالمسيح يوجه إلى عيسى، والدعاء في الصحيفة السجادية يوجه إلى الله، ويتم التشابه حين نعرف أن النصارى يرون عيسى صورة الله.
والصحائف السجادية عند الشيعة تقابل مجموع الأوراد عند أهل السنة، والمخاطب واحد وهو الله واجب الوجود.
وقد اهتم النصارى بكتاب الاقتداء بالمسيح
Imitation de Jesus Christ
فنقلوه من اللاتينية إلى الفرنسية نحو أربعين مرة، وكتبوه بالذهب في كثير من الأحيان.
وأدعية زين العابدين كانت مما اهتم به الشيعة اهتماما شديدا، فصححوا رواياتها ونقدوها وكتبوها بالذهب في كثير من البلاد.
والمناجاة الإنجيلية تفيض بالمعاني الروحية، ولننظر كيف يقول زين العابدين:
اللهم لك قلبي ولساني، وبك نجاتي وأماني، وأنت العالم بسري وإعلاني فأمت قلبي عن البغضاء، وأصمت لساني عن الفحشاء، وأخلص سريرتي وعلانيتي عن علائق الأهواء، واكفني بأمانك عواقب الضراء، واجعل سري معقودا على مراقبتك، وإعلاني موافقا لطاعتك. وهب لي جسما روحانيا وقلبا سماويا، وهمة متصلة بك، ويقينا صادقا في حبك.
10
وكيف يقول: «اللهم ارحم من اكتنفته سيئاته، وأحاطب به خطيئاته، وحفت به جناياته. بعفوك ارحم من ليس له من عمله شافع، ولا يمنعه من عذابك مانع».
11
ولزين العابدين أدعية تلين الجلاميد، كأن يقول:
سيدي، حق لمن دعاك بالندم تذللا أن تجيبه بالكرم تفضلا، سيدي، أمن أهل الشقاء خلقتني فأطيل بكائي، أم من أهل السعادة خلقتني فأبشر رجائي؟
سيدي، ألضرب المقامع خلقت أعضائي، أم لشرب الحميم خلقت أمعائي؟ سيدي، لو أن عبدا استطاع الهرب من مولاه لكنت أول الهاربين منك، لكني أعلم أني لا أفوتك.
سيدي، لو أن عذابي يزيد في ملكك لسألتك الصبر عليه، غير أني أعلم أنه لا يزيد في ملكك طاعة المطيعين، ولا ينقص منه معصية العاصين.
سيدي، ما أنا وما خطري؟ هب لي خطاياي بفضلك، وجللني بسترك، واعف عن توبيخي بكرم وجهك.
إلهي وسيدي، ارحمني مطروحا على الفراش تقلبني أيدي أحبتي، وارحمني مطروحا على المغتسل يغسلني صالح جيرتي، وارحمني محمولا قد تناول الأقرباء أطراف جنازتي، وارحم في ذلك البيت المظلم وحشتي وغربتي ووحدتي، فما للعبد من يرحمه إلا مولاه.
12
وزين العابدين يجعل الأيام والشهور مواسم روحية، فله أدعية لأيام الأسبوع، ودعاء ليوم عرفة ودعاء لأول يوم رجب، وأدعية لأيام رمضان. وأول شهور السنة الهجرية عنده هو شهر رمضان.
13
ولا تخلو أدعيته على كثرتها من فصاحة التعبير، وقوة الروح.
والصوفية يعتقدون أن زين العابدين كان من أهل الأسرار، ويروون أنه قال:
يا رب جوهر علم لو أبوح به
لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا