والمعاني تختلف في هاتين الخطبتين بعض الاختلاف، وذلك يدل على أن الخطيب كان له في كل موقف شعور خاص، وأساس البلاغة أن يعبر المرء عما يساور نفسه عند الخطاب. ولا يعتمد على معانيه القديمة إلا المجدبون في عالم البيان.
فكاهة شعرية
وعند النظر فيما أنشأ أئمة المسلمين من أدعية الاستسقاء نجد الفن ظاهرا ظهورا قويا، ولا كذلك المحفوظ من أدعية الرسول؛ فهي أدعية بسيطة قوامها الصدق، والفن فيها قليل، حدث الخطيب البغدادي بسنده قال: أتت النبي
صلى الله عليه وسلم
بواك فقال: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريا مريعا، عاجلا غير آجل، نافعا غير ضار».
15
ومن الملح المتصلة بدعاء الاستسقاء قول أبي علي بن المحسن بن علي:
خرجنا لنستسقي بيمن دعائه
وقد كاد هدب الغيم أن يبلغ الأرضا
فلما ابتدا يدعو تقشعت السما
فما تم إلا والغمام قد انفضا
16
| أدعية زين العابدين
زين العابدين هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكانت ولادته يوم الجمعة في بعض شهور سنة ثمان وثلاثين، وتوفي سنة أربع وتسعين، وقيل اثنين وتسعين بالمدينة ودفن بالبقيع.
1
وكان يقال لزين العابدين ابن الخيرتين؛ لقول الرسول: لله تعالى من عباده خيرتان، فخيرته من العرب قريش ومن العجم فارس.
2
وذلك أن زين العابدين قرشي الأب فارسي الأم فأمه سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك فارس.
2
وكان كثير البر بأمه حتى قيل له: إنك أبر الناس بأمك ، ولسنا نراك تأكل معها في صفحة. فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما تسبق إليه عينها فأكون قد عققتها.
1
وكان كبير البر بالمعوزين، البر الجميل الذي لا يطلع عليه الناس، وقد أحصى بعد موته عدد من كان يقوتهم سرا فإذا هم نحو مئة بيت. قال محمد ابن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين معايشهم ومآكلهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به ليلا إلى منازلهم.
3
وهذه شمائل لا تستكثر على أهل البيت الذين بعث جدهم ليتمم مكارم الأخلاق.
عاش زين العابدين في عصر كان يموج بالفتن والمكاره والحتوف، في العصر الذي كان يسعى فيه الأمويون لاستئصال شأفة أهل البيت، ولذلك تفاصيل شرحناها في كتاب «المدائح النبوية» وبينا أثرها في نهضة الشعر السياسي لعهد بني أمية. وقد بقيت تلك المكاره مرسومة في خيال زين العابدين حتى صح له أن يدعو على أهل الشام فيقول:
اللهم وقد شملنا زيغ الفتن، واستولت علينا عشوة الحيرة، وقارعنا الذل والصغار، وحكم في عبادك غير المأمونين على دينك، فابتز أموال آل محمد من نقض حكمك، وسعى في تلف عبادك المؤمنين، فجعل فيئنا مغنما وأمانتنا ميراثا، واشتريت الملاهي والمعازف والكبارات بسهم الأرملة واليتيم والمسكين فرتع في مالك من لا يرعى لك حرمة، وحكم في أبشار المسلمين أهل الذمة، فلا ذائد يذودهم عن هلكة، ولا راحم ينظر إليهم بعين الرحمة ... اللهم وقد استحصد زرع الباطل وبلغ نهيته واستحكم عموده ... إلخ.
4
والمراد بأهل الشام هم الحاكمون من بني أمية الذين استطرد في الدعاء عليهم فقال:
اللهم ولا تدع للجور دعامة إلا قصمتها، ولا جنة إلا هتكتها، ولا كلمة مجتمعة إلا فرقتها، ولا قائمة إلا خفضتها، ولا راية إلا نكستها وحططتها ولا علوا إلا أسفلته، ولا خضراء إلا أبدتها، اللهم وكور شمسه، وأطفئ نوره، وأم بالحق رأسه،
5
وفض جيوشه، وأرعب قلوب أهله، وأرنا أنصار الجور عباديد بعد الألفة،
6
وشتى بعد اجتماع الكلمة، ومقمومي الرءوس بعد الظهور على الأمة.
7
وقد أكثر من الدعاء على من خاصموه وحاربوه فدعا على حرملة بن كاهلة وعبيد الله بن زياد وضمرة بن معبد وعبد الملك بن مروان.
ومراجعة تلك الأدعية تصور بعض جوانب المجتمع في ذلك الحين.
وكان له دعاء خاص بساعته، وبيان ذلك أن في السالفين من اقترض أن النهار قسم إلى اثنتي عشرة ساعة لينسجم مع عدد الأئمة الاثني عشر، وزين العابدين هو الرابع بين أولئك الأئمة فساعته من النهار هي الرابعة، وهي من ارتفاع النهار إلى وقت الزوال.