تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اللهم قد انصاحت جبالنا،

4

واغبرت أرضنا، وهامت دوابنا، وتخيرت في مرابضها، وعجت عجيج الثكالى على أولادها، وملت التردد في مراتعها، والحنين إلى مواردها، اللهم فارحم أنين الآنة، وحنين الحانة، الله فارحم حيرتها في مذاهبها، وأنينها في موالجها. اللهم خرجنا إليك حين اعتكرت علينا حدابير

5

السنين، وأخلفتنا مخايل الجود، فكنت الرجاء للمبتئس والبلاغ للملتمس، ندعوك حين قنط الأنام، ومنع الغمام، وهلك السوام، أن لا تؤاخذنا بأعمالنا، ولا تأخذنا بذنوبنا، وانشر علينا رحمتك بالسحاب المنبعق،

6

والربيع المغدق والنبات المونق، سحا وابلا تحيي به ما قد مات، وترد به ما قد فات. اللهم سقيا منك محيية مروية، تامة عامة طيبة مباركة، زاكيا نبتها، ثامرا فرعها، ناضرا ورقها، تنعش بها الضعيف من عبادك، وتحيي بها الميت من بلادك. اللهم سقيا منك تعشب بها نجادنا، وتجري بها وهادنا، وتخصب بها جنابنا، وتبقل بها ثمارنا، وتعيش بها مواشينا، وتندي بها أقاصينا، وتستعين بها ضواحينا، من بركاتك الواسعة، وعطاياك الجزيلة، على بريتك المرملة، ووحشك المهملة، وأنزل علينا سماء مخضلة

7

مدرارا هاطلة، يدافع الودق منها الودق،

8

ويحفز القطر منها القطر غير خلب برقها،

9

ولا جهام عارضها،

10

ولا قزع ربابها،

11

ولا شفان ذهابها،

12

حتى يخصب لإمراعها المجدبون، ويحيا ببركتها المسنتون،

13

فإنك تنزل الغيث بعد ما قنطوا وتنشر رحمتك وأنت الولي الحميد.

وخطب مرة أخرى فقال بعد التحميد:

ألا وإن الأرض التي تحملكم، والسماء التي تظلكم، مطيعتان لربكم، وما أصبحتا تجودان لكم ببركتهما توجعا لكم، ولا زلفة إليكم، ولا لخير ترجوانه منكم، ولكن أمرتا بمنافعكم فأطاعتا، وأقيمتا على حدود مصالحكم فأقامتا.

إن الله يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات، وحبس البركات وإغلاق خزائن الخيرات، ليتوب تائب، ويقلع مقلع، ويتذكر متذكر، ويزدجر مزدجر، وقد جعل الله الاستغفار سببا لدرور الرزق، ورحمة الخلق، فقال:

ستغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبني

فرحم الله امرءا استقبل توبته، واستقال خطيئته، وبادر منيته.

اللهم إنا خرجنا إليك من تحت الأستار والأكنان، وبعد عجيج البهائم والولدان، راغبين في رحمتك، وراجين فضل نعمتك، وخائفين من عذابك ونقمتك، اللهم فاسقنا غيثك ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا يا أرحم الراحمين. اللهم إنا خرجنا إلينا، نشكو إليك بما لا يخفى عليك، حين ألجأتنا المضايق الوعرة وأجاءتنا المقاحط المجدبة، وأعيتنا المطالب المتعسرة، وتلاحمت علينا الفتن المستصعبة، اللهم إنا نسألك أن لا تردنا خائبين، ولا تقلبنا واجمين، ولا تخاطبنا بذنوبنا، ولا تقابسنا بأعمالنا، اللهم انشر علينا بركتك، ورزقك ورحمتك، واسقنا سقيا نافعة مروية معشبة تنبت بها ما قد فات، وتحيي بها ما قد مات، نافعة الحيا، كثيرة المجتنى، تروى بها القيعان، وتسيل البطنان، وتستورق الأشجار، وترخص الأسعار، إنك على ما تشاء قدير.

14

وعند درس الخطبة الأولى نجد الخطيب ترفق في الدعاء حين اهتم بوصف حيرة الدواب في المرابض، وملالها من التردد في المراتع، والحنين إلى الموارد، وعجيجها على أولادها التي أودى بها الظمأ القتال، ونجده تلطف حين دعا الله أن لا يؤاخذهم بأعمالهم، ولا يأخذهم بذنوبهم، ثم نجده أغرق في وصف الغيث المرجو، والخصب المأمول، وكذلك كان صدر الخطبة نفحة وجدانية يتمثل فيها الجزع والإنابة، وكان شطرها الثاني بابا من الصنعة والافتنان في التخييل والتمثيل.

وصدر الخطبة الثانية توحيد صرف، فالأرض والسماء من جنود الله، تجودان حين يشاء، وتمسكان حين يشاء، ثم يمضي الخطيب فيذكر أن نقص الثمرات ابتلاء من الله يصيب الناس حين تسوء أعمالهم ليتذكروا وينيبوا، وأن كشف الشر موقوف على الاستغفار، وهو بذلك يوجه قلوب المستسقين إلى المتاب، ويختم خطبته بدعاء طويل هو نموذج لرقة التوسل والابتهال.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٥١