تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

وقال سفيان الثوري: بلغني أن بني إسرائيل قحطوا سبع سنين حتى أكلوا الميتة من المزابل، وأكلوا الأطفال، وكانوا كذلك يخرجون إلى الجبال يبكون ويتضرعون، فأوحى الله عز وجل إلى أنبيائهم عليهم السلام لو مشيتم إلي بأقدامكم حتى تحفى ركبكم، وتبلغ أيديكم عنان السماء، وتكل ألسنتكم عن الدعاء، فإني لا أجيب لكم داعيا، ولا أرحم لكم باكيا، حتى تردوا المظالم إلى أهلها، ففعلوا فمطروا من يومهم.

1

وقال مالك بن دينار: أصاب الناس في بني إسرائيل قحط فخرجوا مرارا، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إلي بأبدان نجسة، وترفعون إلي أكفا قد سفكتم بها الدماء، وملأتم بطونكم من الحرام، الآن قد اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعدا.

2

وهذه الشواهد تدل على أنه كان مفهوما عند بني إسرائيل أن الدعاء إنما يقبل من التائبين.

الاهتمام به في كتب الفقه الإسلامي

وقد اهتمت كتب الفقه الإسلامي بصلاة الاستسقاء، وبينت أنها تكون «إذا غارت الأنهار، وانقطعت الأمطار، أو انهارت قناة» وأنه يستحب للإمام أن يأمر الناس أولا بصيام ثلاثة أيام، وما أطاقوا من الصدقة، والخروج من المظالم، والتوبة من المعاصي، وفي اليوم الرابع يخرج بهم وبالعجائز والصبيان متنظفين في ثياب بذلة واستكانة متواضعين. وقيل: يستحب إخراج الدواب لمشاركتهم في الحاجة، ولقوله

صلى الله عليه وسلم : «لولا صبيان رضع، ومشايخ ركع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبا» فإذا اجتمعوا في المصلى الواسع من الصحراء نودي: الصلاة جامعة فصل بهم الإمام ركعتين مثل صلاة العبد بغير تكبير، ثم يخطب خطبتين، وبينهما جلسة خفيفة، ويكون الاستغفار معظم الخطبتين، ويقول في الدعاء:

اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا بإجابتك، فقد دعوناك كما أمرتنا فأجبنا كما وعدتنا، اللهم فامنن علينا بمغفرة ما قارفنا، وإجابتك في سقيانا وسعة أرزاقنا.

وصلاة الاستسقاء من أهم مظاهر التصوف، فإن المرء لا يقوم بها إلا وقد آمن إيمانا صادقا برحمة الله وفضله، وكيف يطمع المرء في أن تتغير القوانين الطبيعية فتمطر السماء لدعائه إلا إن وثق بأن الأمر كله لله، وأنه يحجب السماء حين يشاء، ويرسلها حين يشاء؟

وانظر هذا الخبر وتأمل ما فيه من صدق اليقين:

قال عطاء السلمي: منعنا الغيث فخرجنا نستسقي فإذا نحن بسعدون المجنون في المقابر، فنظر إلي فقال: يا عطاء! أهذا يوم النشور، أو بعث ما في القبور؟ فقلت: لا، ولكنا منعنا الغيث، فخرجنا نستسقي. فقال: يا عطاء! بقلوب أرضية؟ أم بقلوب سماوية؟ فقلت: بل بقلوب سماوية. فقال: هيهات! يا عطاء، قل للمتبهرجين لا تتبهرجوا، فإن الناقد بصير! ثم رمق السماء بطرفه وقال: إلهي وسيدي ومولاي! لا تهلك بلادك، بذنوب عبادك، ولكن بالمكنون من أسمائك، وما وارت الحجب من آلائك، إلا ما سقيتنا ماء غدقا فراتا تحيي به العباد، وتروى به البلاد، يا من هو على كل شيء قدير! قال عطاء: فما استتم الكلام حتى أرعدت السماء وأبرقت وجاءت بمطر كأفواه القرب، فولى وهو يقول:

أفلح الزاهدون والعابدونا

إذ لمولاهم أجاعوا البطونا

أسهروا الأعين العليلة حبا

فانقضى ليلهم وهم ساهرونا

شغلتهم عبادة الله حتى

قيل في الناس إن فيهم جنونا

3

وفي عبارة «بقلوب أرضية، أم بقلوب سماوية» ما يشعر بأدق المعاني الروحية، ولهذا أثر بالغ في تربية الأخلاق، إذ يروض المرء على الإيمان بأن الخير لا يصيب إلا المخلصين من الأتقياء.

نماذج من أدعية الاستسقاء

لم يقتصر المسلمون على دعاء واحد في الاستسقاء، كما اقتصروا على دعاء واحد في التشهد مثلا، وإنما انطلقت قرائحم فافتنوا فيه افتنانا عظيما. فكان الاستسقاء من أسباب الثروة الأدبية في الدعاء، وكان يتفق أن تختلف الأدعية على لسان الرجل الواحد حين يتكرر الاستسقاء، كما وقع لعلي بن أبي طالب، فقد خطب مرة فقال:

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٥٠