هذا القسم خاص بالأخلاق، ولكن القارئ سيرانا نبتدئه بالكلام عن الأدعية والأوراد، وفيها ملامح أدبية خليقة بأن يجعلها من القسم الأول، ولكنا رأينا بعد التأمل أن فصل الأدعية تغلب عليه النزعة الخلقية؛ لأن فيه حديثا عن إعداد النفس للدعاء، ولأن الأدعية في ذاتها من وسائل الاتصال بالله، والاتصال بالله هو الغاية الخلقية عند أهل التصوف.
ومن المؤكد أن الأوراد تمثل النظام الخلقي في حياة المريد، فوضعها في قسم الأخلاق ليس من الفضول.
ونعترف مخلصين، أن هذا البحث يحتاج إلى جهد أكبر مما نملك، ولكن يعزينا أن القارئ سيذكر أن جهد المقل غير قليل.
| الأدعية والأوراد
الدعاء في القرآن
الأدعية جمع دعاء، وهو النداء، ويرد أحيانا في القرآن بمعنى العبادة، كقوله عز شأنه في سورة الأعراف:
إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقي
وقوله في سورة الرعد:
له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال
وقوله في سورة الكهف:
واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا
وقوله في سورة الحج:
ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير
وقوله في سورة فاطر:
ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير * إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير
وفي سورة الفرقان:
والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق .
وعند تأمل هذه الشواهد نجد الدعاء حين يرد بمعنى العبادة يتضمن أيضا معنى النداء.
والدعاء مما يوصي به الأدب في الشريعة الإسلامية، وفي القرآن الكريم
وقال ربكم ادعوني أستجب لكم
وفي سورة البقرة:
وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان .
أدعية الأنبياء
والدعاء قديم جدا في التقاليد الدينية، وقد قص القرآن نماذج من أدعية الأنبياء، منها ما ورد في سورة البقرة على لسان إبراهيم:
رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات ...
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم .
وروى القرآن دعوات إبراهيم بصورة أخرى في سورة إبراهيم فقال:
وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم * ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون * ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء * الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء * رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء * ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب .
ومن دعاء موسى ما ورد في سورة طه:
رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري * كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا * إنك كنت بنا بصيرا
وفي سورة القصص:
رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي .
ومن دعاء أيوب ما ورد في سورة الأنبياء
أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين .