سبعين بابا من العلم لم يعلم ذلك أحدا غيري.
48
وقد أثنى علي على عمر بن الخطاب، ونقل الطوسي ذلك الثناء وقال: ولأهل الحقائق أسوة وتعلق بعمر رضي الله عنه، ثم ذكر أنه اختار لبس المرقعة والخشونة وترك الشهوات واجتناب الشبهات وإظهار الكرامات وقلة المبالاة بمن لامه من الخلق عن انتصاب الحق.
49
ألا ترون كيف فسر الطوسي ثناء علي على عمر فألبس ابن الخطاب شمائل صوفية؟
وقام رجل إلى علي بن أبي طالب فسأله عن الإيمان فقال: الإيمان على أربع دعائم، على الصبر واليقين والعدل والجهاد، ثم وصف الصبر على عشر مقامات، وكذلك اليقين والعدل والجهاد، فوصف كل واحد منها على عشر مقامات.
50
قال الطوسي: فإن صح ذلك عنه فهو أول من تكلم في الأحوال والمقامات.
الصلة بين التشيع والتصوف
وطبيعة الأشياء توجب أن يقترب التشيع والتصوف، فالشيعة انهزموا في ميدان السياسية، والصوفية انهزموا في ميدان الحياة، والاشتراك في الهزيمة يقرب بين النفوس، وقد مضت في هذا الكتاب فقرات كثيرة تبين أن المرء يتصوف حين ينهزم؛ لأنه حين يفقد سنده في عالم المادة يذهب فيلتمس الغوث في عالم الروح.
ومما يقرب بين المذهبين أن الشيعة والصوفية يؤمنون بالأسرار، ويبحثون عن النجاة في العوالم الغيبية، ولذلك تشابهت أوهامهم وظنونهم وأمانيهم، وتقاربت مذاهبهم المعاشية والاجتماعية، وصرت ترى لديهم شمائل مشتركة في تناول الأشياء، وفهم الحياة والناس، حتى أدبهم يتشابه، فتقع أمامك القطعة من الشعر فتنسبها إلى من شئت فتمضي طائعة إلى من تضيفها إليه من الشيعة أو الصوفية ... وأصدق دليل على اقتراب المذهبين أن أهل فارس هم أكثر الناس تصوفا بين الأمم الإسلامية، وإنما كانوا كذلك لأن التشيع ألقى رحاله هناك.
ولو مضينا ندرس التصوف في مصر لرأينا عند الصوفية من المصريين ألفاظا كثيرة كانت مما يستعمله الفاطميون. فليس من الغريب أن يحكم ابن خلدون بأن الصوفية نقلوا نظامهم عن التشيع.
قيمة التصوف في الحياة الخلقية
لم يبق بعد هذه التفاصيل إلا أن نقول إن الصوفية يمتازون من بين رجال الأخلاق بصفة أساسية هي التفلسف، فأولئك قوم مسلمون يأبون أن يقفوا عند حرفية النصوص فيمضون في الدرس والتأويل، ثم يقبلون على النفس فيجعلونها محور الأخلاق.
فالمسلم يعمل في حدود الأوامر الشرعية، وينزجر في حدود الزواجر الشرعية، أما الصوفي فيتسامى إلى إدراك المغيبات، ويحرص على فهم الدقائق الخفية في حركات الخواطر والقلوب.
وخلاصة القول أن الصوفي يحترم الشخصية كل الاحترام فيستفتي قلبه وإن أفتاه المفتون، وقد كان لذلك عيوب منها الإسراف في التصورات العقلية التي انتهت إلى القول بوحدة الوجود، أو بالحلول، أو بتفضيل الأولياء على الأنبياء. وتلك عيوب في نظر من يقيسون الأخلاق بالمقاييس الشرعية، أما الذي يقيسونها بالمقاييس الفلسفية فيرون عند الصوفية أصولا من إجلال الفكر وإعزاز العقل. وليس ذلك بالفضل القليل.
أقول هذا وأنا أعرف أن ليس لي من عمل في هذا الكتاب إلا تأريخ هذا المذهب الفلسفي، فليس من همي أن أحارب التصوف أو أن أدافع عنه فلا يظن قوم أني أتحزب للتصوف، وإن كان من حقي أن أعطف عليه في حدود الاعتدال.
نظام البحث
أما خطتنا في هذه الدراسات فهي عرض المسائل الأساسية التي تتكون بها الشخصية الخلقية، ولن نهتم بالجزئيات، لأن أمرها يطول، ويكفي أن يعرف القارئ بهذه الدراسات خطر التصوف في الأخلاق.
ولنقيد هنا أننا وقفنا عند المعاني، فلم نهتم بالأشخاص ولا التاريخ، وفي هذا التمهيد ما يكفي لبيان الأطوار التي مرت بها فكرة التصوف في العهود الإسلامية.
ومن الواضح أن لنا الحق في اختيار المنهج الذي نرتضيه لنظام الكتاب ولا يطلب منا إلا مسايرة ما ارتضيناه في أسلوب التأليف. وقد لا يكون هذا الأسلوب خير الأساليب، ولكنه يصل بنا على خير وجه إلى تحقيق ما نريد.