تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القسم الخامس:

رجال البسابس، هم أهل الخطوة في العالم، وهم من أجناس بني آدم، يظهرون للناس ثم يغيبون، ويكلمونهم فيجيبون، أكثر سكنى هؤلاء في الجبال والقفار، والأودية وأطراف الأنهار.

39

القسم السادس:

يشبهون الخواطر لا الوساوس. هم المولدون من أبي الفكر وأم التصور، لا يؤبه إلى أقوالهم، ولا يتشوق إلى أمثالهم، فهم بين الخطأ والصواب، وهم أهل الكشف والحجاب.

40

وهذا الكلام يدل على أن من الصوفية من نسي التعاليم الدينية وتسامى إلى الاتصال بعالم الأرواح، وهم لا يذكرون الأنبياء إلا اتقاء لشر الناس ولو أعطيت لهم الحرية لصرحوا بأن ليس بينهم وبين الله وسيط. والإسلام لا يوجب وساطة بين العبد والرب، ولكنه يحتم أن نعرف الله ونعبده في حدود ما أوصى به الأنبياء، على أن من الصوفية من فضل الولاية على النبوة وكانت حجته أن الأنبياء يوحى إليهم بواسطة، وأن الأولياء يتلقون من الله بلا واسطة، وهو كلام رفضه الأكثرون.

محاورة بين صوفي وراهب

وقد توغل الصوفية في الفروض فزعموا أن الرسول قال: لا يزال في هذه الأمة أربعون رجلا من الصالحين على ملة إبراهيم الخليل

41

وزعموا أن من بين هؤلاء الأربعين أربعة هم الأبدال، وإنما سموا الأبدال لأنهم بدلوا خلقا بعد خلق وصفوا تصفية بعد تصفية، وذلك أن هؤلاء الأربعين منتقون - في زعمهم - من جملة أربع مئة من الزاهدين العارفين المحققين؛ وهؤلاء الأربع مئة منتقون من أربعة آلاف من المؤمنين التائبين المخلصين، وكلما مضى شخص من الأربعة قام في رتبته شخص من الأربعين، وإذا مضى شخص من الأربعين قام في رتبته شخص من الأربع مئة، وإذا مضى شخص من الأربع مئة ارتقى إلى منزلته شخص من الأربعة آلاف فبلغ مرتبته وقام مقامه، وكلما مضى شخص من الأربعة آلاف ارتقى مكانه بدلا منه واحد من المؤمنين التائبين المخلصين فبلغ درجته وقام مقامه.

42

ومعنى هذا أن الجمعية الصوفية تؤلف وحدة قومية، هي الصفوة المختارة من المؤمنين. والقارئ يذكر أننا أشرنا في مقدمة الجزء الأول من هذا الكتاب إلى طائفة من اصطلاحات الصوفية جاء فيها أن القطب وهو الغوث عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله من العالم في كل زمان، وأن الأوتاد عبارة عن أربعة رجال منازلهم على منازل أربعة من أركان العالم، وأن البدلاء هم سبعة، ومن سافر من القوم عن موضعه ترك جسدا على صورته حتى لا يعرف أحد أنه فقد، وأن النقباء هم الذين استخرجوا خبايا النفوس وهم ثلاث مئة، وأن النجباء أربعون، وهم المشغولون بحمل أثقال الخلق، وأن الإمامين شخصان أحدهما عن يمين الغوث ونظره في الملكوت والآخر عن يساره ونظره في الملك، وهو أعلا من صاحبه وهو الذي يخلف الغوث.

طبقات أهل الغيب

فمن أين جاء الصوفية بهذا النظام الغريب؟

يرى ابن خلدون أنهم نقلوه عن الشيعة «حتى أنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا لطريقتهم ونحلتهم رفعوه إلى علي رضي الله عنه».

43

والواقع أن الصلة وثيقة بين التشيع والتصوف، فعلي هو معبود الشيعة وهو إمام الصوفية، أليس هو الذي أشار إلى العارفين حين قال لكميل بن زياد: أولئك الأقلون عددا، الأعظمون عند الله قدرا، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح حقيقة اليقين

44

أليس هو الذي أثنى على الحسن البصري إمام الصوفية.

45

وقد حدثوا أن الجنيد أخذ الطريقة عن خاله سري السقطي، وكان أخذها عن معروف الكرخي، ومعروف الكرخي أخذها عن علي بن موسى الرضا.

46

ونحن نعرف من علي بن موسى الرضا، فهو من أقطاب أهل البيت. والشيعة أنفسهم يعطفون على الصوفية أبلغ العطف، وقد أثنى الشريف المرتضى في أماليه على الحسن البصري أطيب الثناء.

47

والصوفية ينقلون فرحين ما روي عن علي أنه قال: علمني رسول الله

صلى الله عليه وسلم

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٤٢