تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الراهب :

زدني في البيان.

الصوفي :

نعم، اسمع ما أقوله وافهمه واعقل ما تفهم، إن الله جل ثناؤه خلق الإنسان خلقا سويا، بنية صحيحة تامة وقامة منتصبة وحواس سالمة، ثم رباه وأنشأه وأنماه بفنون من لطفه وغرائب من حكمته إلى أن بلغ أشده واستوى، ثم آتاه حكما وعملا، وقلبا ذكيا، وسمعا دقيقا، وبصرا حادا، ولسانا ناطقا، وعقلا صحيحا، وفهما جيدا، ومشيئة واختيارا، وجوارح طائعة، ثم علمه الفصاحة والبيان، والصناعة والزراعة والتجارة، والتصرف في المعاش وطلب العز والسلطان والأمر والرياسة والتدبير والسياسة وسخر له ما في الأرض جميعا من الحيوان والنبات والمعادن فغدا متحكما عليها تحكم الأرباب، ثم أراد الله أن يزيده من إحسانه وفضله وجوده وإنعامه شيئا آخر أجل وأشرف، وهو ما أكرم به الله ملائكته وخالص عباده وأهل جنته من النعيم الذي لا يشوبه نقص ولا تنغيص، وهو نعيم الفردوس، فبعث بلطفه أنبياءه ورسله يرغبونهم في الجنة ويدلونهم على طريقها كيما يطلبوها ويكونوا لها مستعدين قبل الورود إليها ، ولكي يسهل عليهم مفارقة ما ألفوا في الدنيا من شهواتها ولذاتها، وتخف عليهم شدائد الدنيا ومصايبها، ويحذرونهم أيضا التواني في طلب الجنة كيلا يفوتهم ما وعدوا به، فإنه من فاتته فقد خسر الدنيا والآخرة وضل ضلالا بعيدا ... فهذا رأينا واعتقادنا يا راهب في معاملتنا مع ربنا، وبهذا الاعتقاد طاب عيشنا في الدنيا، وسهل علينا كد العبادة فلا نحس بها، بل نرى أن ذلك نعمة وكرامة وعز وشرف، إذ جعلنا أهلا أن نذكره، وإذ هدى قلوبنا، وشرح صدورنا، ونور أبصارنا، لما عرفنا من كثرة إنعامه، وفنون ألطافه وإحسانه.

الراهب :

جزاك الله خيرا من واعظ ما أبلغه، وطبيب رفيق ما أحذقه، وأخ ناصح ما أشفقه.

38

ومن الواضح أن هذه محاورة خيالية، وليس من الضروري أن يرتاب الراهب في مصيره كل هذا الارتياب، ولكن الشاهد يظهر بهذه المقارنة.

فمؤلف هذه المحاورة يعتقد أن المسيحية تصورها شخصية الراهب، وأن الإسلام الحق تصوره شخصية المتصوف.

أثر المسيحية في التصوف

ولم يكن المسيح بالصورة الوحيدة التي فتنت الصوفية، فهناك عباد بني إسرائيل، وأولئك العباد لهم كلمات وأحوال حفظها الصوفية.

وكذلك يمكن الحكم بأن التصوف هو مجموعة من الأفكار الإسلامية والنصرانية واليهودية، أو هو الخلاصة الروحية من تلك الديانات الثلاث.

وأغلب الظن أن الصوفية لم ينطبعوا على تلك الآراء طائعين، وإنما سرت إليهم فأثرت فيهم على غير وعي، فلما استفحل أمرهم أخذوا يجهرون بأنهم ورثة الأنبياء، وهذا القول فيه رجعة إلى كلمة قديمة عرفت عن بعض فلاسفة اليونان الذين قالوا بأنهم ورثة الآلهة. والأستاذ الدكتور منصور فهمي يرجح انسياق ذلك الخيال اليوناني إلى الصوفية، وهو ترجيح تؤيده المشابهة بين القولين واتفاقهما في المدلول.

والجيلاني يسمى العارفين رجال الغيب، وهم عنده ستة أقسام:

القسم الأول:

هم الصنف الأفضل، والقوم الكمل، هم أفراد الأولياء، المقتفون آثار الأنبياء، غابوا عن عالم الأكوان، في الغيب المسمى بمستوى الرحمن، فلا يعرفون ولا يوصفون، وهم آدميون.

القسم الثاني:

هم أهل المعاني، وأرواح الأواني، يتصور الولي بصورهم، فيكمل الناس في الباطن والظاهر بخيرهم، فهم أرواح، وكأنهم أشباح، سافروا من عالم الشهود، فوصلوا إلى فضاء غيب الوجود، فصار غيبهم شهادة، وأنفاسهم عبادة، وهؤلاء أوتاد الأرض، القائمون لله بالسنة والفرض.

القسم الثالث:

ملائكة الإلهام والبواعث. يطرقون الأولياء، ويكلمون الأصفياء، لا يبرزون إلى عالم الإحساس، ولا يتعرفون لعوام الناس.

القسم الرابع:

رجال المناجاة.. يتصورون للناس، في عالم الإحاس، وقد يدخل أهل الصفاء، إلى ذلك اللواء، فيخبرونهم بالمغيبات، وينبئونهم بالمكتمات.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٤١