تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والفقهاء سدوا منافذ الرفق حين صوروا الله بالقسوة والعنف. والصوفية سدوا منافذ الحزم حين وصفوا الله بالرفق المطلق. وحب الله لا يتوقف على ما ينتظرون من الرفق، فقد نحب الله ونحن نخافه أشد الخوف، ومن لا يعرف الرهبة فليس بمحب ولا محبوب.

الصوفية يرون أنفسهم ورثة الأنبياء

وهنا تعرض مسألة جوهرية في نظام الأخلاق هي الفرق بين الزهد والتصوف، فالزهد هو ترك الدنيا خوفا من الحساب، والتصوف، هو الإقبال على صفاء النفس لتتصل بالله، فغاية الزاهدين هي السلامة، وغاية الصوفية هي الوصول، فالزاهد يخاف الدنيا لأنها قد تبعده من الجنة، والصوفي يخاف الدنيا لأنها قد تشغله عن الله، وهذا الفرق فرض صرف، فليست هناك حدود واضحة تفصل الزهد عن التصوف، وإنما أخذنا هذا الفرض من التاريخ، فالعباد كانوا يسمون زهادا ونساكا في العهد الأول قبل أن يوجد التعمق في دراسة الأسرار النفسية، ثم سموا صوفية في العهد الذي كثر فيه الاهتمام بدرس أسرار القلوب.

فضل الفقه وفضل التصوف

إلى هنا عرفنا صورا من تطور التصوف. أفيستطيع القارئ أن يتصور أن الصلة لا تزال وثيقة بين ما ابتدأ به التصوف وما انتهى إليه؟

لقد قلنا إن التصوف قديم في البيئات العربية، واتخذنا من القرآن شواهد للتصوف، أفيمكن الحكم بأن الصوفية وقفوا عند روحانية القرآن؟

إنه لا مفر من الاعتراف بأن شخصية المسيح كان لها أثر في تلوين النزعات الصوفية، فما تكاد كتب التصوف تخلو من الاستشهاد بكلام المسيح.

وقد رأينا فيما سلف أن شخصية الراهب كانت محترمة، وأن الصوفية كانوا ينقلون كلام الرهبان، وكان الناسك من المسلمين يذكر النصارى بالمسيح.

36

فلنضف إلى ما سلف أن الصوفية كان يسرهم أن يسجلوا أنهم أعرف بربهم من الرهبان، وأن التصوف الحق يرجع إلى الحب المطلق الذي لا ينتظر الجزاء، ولا يخاف العقاب، أو الثقة المطلقة التي لا يعروها شك ولا يساورها ارتياب.

وقد حدثوا أن أحد العارفين اجتاز يوما في بعض سياحته براهب في صومعة على رأس تل فوقف بإزائه فناداه فأخرج الراهب رأسه من صومعته وجرت بينهما المحاورة الآتية:

الراهب :

من هذا؟

الصوفي :

رجل من أبناء جنسك الآدميين.

الراهب :

وما الذي تريد؟

الصوفي :

كيف الطريق إلى الله؟

الراهب :

في خلاف الهوى.

الصوفي :

فما خير الزاد؟

الراهب :

خير الزاد التقوى.

الصوفي :

لم تباعدت عن الناس وتحصنت في هذه الصومعة؟

الراهب :

مخافة على قلبي من فتنتهم، وحذرا على عقلي من الحيرة من سوء عشرتهم، فطلبت راحة نفسي من مقاساة مداراتهم، وقبيح أفعالهم، وجعلت معاملتي مع ربي فاسترحت منهم.

الصوفي :

أخبرني كيف وجدتهم؟

الراهب :

أسوأ قوم وشر أصحاب ففارقتهم.

الصوفي :

كيف وجدتم يا أتباع المسيح معاملتكم مع ربكم؟

الراهب

بعد تردد :

أسوأ معاملة.

الصوفي :

وكيف ذلك؟

الراهب :

لأنه أمرنا بكد الأبدان، وجهد النفوس، وصيام النهار وقيام الليل، وترك الشهوات المركوزة في الجبلة، ومخالفة الهوى الغالب، ومجاهدة العدو المتسلط، والرضا بخشونة العيش، والصبر على الشدائد والبلوى ومع هذه كلها جعل الأجر نسيئة في الآخرة بعد الموت مع بعد الطريق والحيرة. فهذه حالنا في معاملتنا مع ربنا. فخبرني عنكم، يا معشر أتباع أحمد، كيف وجدتم معاملتكم مع ربكم؟

الصوفي :

خير معاملة.

الراهب :

صفها لي.

الصوفي :

إنه أعطانا سلفا كثيرة قبل العمل ومواهب جزيلة لا تحصى فنون أنواعها من النعم والإحسان والإفضال قبل المعاملة: فنحن ليلنا ونهارنا تتقلب في أنواع من نعمه، وفنون من آلائه، ما بين سالف معتاد، وآنف مستفاد، وخالف منقاد.

الراهب :

كيف خصصتم بهذه المعاملة دون غيركم والرب واحد؟

الصوفي :

أما النعمة والإحسان والإفضال فعموم للجميع، قد عمتنا

37

كلنا، ولكن نحن خصصنا بحسن الاعتقاد وصحة الرأي والإقرار بالحق والإيمان والتسليم، فوفقنا لمعرفة الحقائق لما أعطينا بالانقياد والإيمان والتسليم وصدق المعاملة من محاسبة النفس وملازمة الطريق، وتفقد تصاريف الأحوال الطارئة من الغيب ومراعاة القلب بما يرد عليه من الخواطر والوحي والإلهام ساعة بساعة.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٤٠