والصوفية يذكرون أن النبي قال: «استفت قلبك، وإن أفتاك المفتون»
35
وأنه قال: «استفت قلبك، وإن أفتوك وأفتوك»
35
كأنهم يحتاجون إلى سند من كلام الرسول!
وعند التأمل نرى الوقوف عند ظاهر الشريعة لا يليق إلا بالعوام من الناس، أما الخواص فلهم مجالات يدركها العارفون، وما كان يمكن أن يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون في فهم دقائق الأشياء، ففي العالم أسرار يطلع على بعضها الخواص، والشرع نفسه فيه دقائق كثيرة لا يفهمها العوام من الفقهاء ... على أن رجال الظاهر أسرفوا في التزمت وبلغ بهم الحمق أن أقفلوا باب الاجتهاد، كأن الدنيا انتهت إلى ما انتهت إليه أئمتهم، وكأن العالم ظهرت بواطنه وخوافيه فلم يبق فيه من المستورات ما يحتاج إلى شرح أو تأويل.
ولكن هل يكفي هذا ليصبح الأمر كله إلى الصوفية، ويصح للغزالي أن يحكم بأن الاشتغال بعلم الظاهر بطالة؟
إن ضيق الذهن لحق بالفريقين فلم يتيسر لهما اتفاق، ولو تأمل أهل الظاهر لعرفوا أن النفس الإنسانية أعمق من أن تبر أغوارها في جيل أو جيلين، وأن وساوس الصوفية ليست إلا شواهد لعلم النفس، وأن الإنسان لا يهذي ولا يسخف إلا وقفا لقوانين مستورة يوجب العقل أن نبحث عما لها من عناصر وأصول، وما قد يبدو سخفا وهذيانا له أحيانا وجوه من الحق يعلمها الراسخون في علم النفس وعلم منافع الأعضاء.
فمن الفضول أن يتحكم الفقهاء في مصاير النفس الإنسانية، وأن يقضوا بأن كل خروج على آفاقهم زيغ وضلال، وأن نصوص القرآن والحديث لا يجوز أن توجه إلى غير ما يقتضيه ظاهر الحروف. ولو عقل الصوفية لعرفوا أن من الخرق أن تكون آراؤهم دستورا يجب احترامه في جميع البيئات، وكيف يفرض علىالناس جميعا أن يقضوا أعمارهم في التفكر والتدبر؟ إن الفكر شيء جميل، ولكن فرضه على جميع الناس سخف لا يعدله سخف، وكيف غاب عنهم أن الغفوات العقلية التي يتمتع بها الجماهير هي أساس النظام في هذا الوجود؟ وكيف كانت تصبح الدنيا لو أن العوام تفلسفوا، وادعوا الاتصال بالله، كلما عرض لهم خاطر جديد؟
أعداء الصوفية
وخلاصة القول أن العداوة بين أهل الظاهر وأهل الباطن لا تقوم على أساس صحيح، فأهل الظاهر وجودهم ضروري لأنهم يحمون الناس من الاستسلام إلى الأوهام والأضاليل، وأهل الباطن وجودهم ضروري لأنهم يعطرون الشريعة بعبير الروح ويسكبون عليها أنداء الخيال.
وأهل الظاهر هم الذين حفظوا العلوم الشرعية، وصيروا الإسلام من الشرائع المؤسسة على قواعد من الثقافة الفقهية.
وأهل الباطن هم الذين خلقوا العصبية الدينية، وصوروا الرسول، وأصحابه بصور روحية رائعة هي التي حفظت القوة المعنوية للدين الحنيف.
ولا يمكن إغفال ما أفاد الإسلام من الثقافة الصوفية، فالتصوف هو الذي ملأ الجوانب الخالية من قلوب المسلمين، وهو الذي أنساهم الخشونة المادية التي أذاعتها الثقافة الفقهية، وقد نشرت جريدة السياسة في 3 يونية سنة 1932 نبذة من كتاب فلسفة الدين الذي ألفه بالإنجليزية المستر ادوار روس (ص124) جاء فيها قوله:
إن كلمة الإسلام معناها الإذعان لإرادة الله، وأخلق بذلك أن يفضي إلى اعتبار الله قضاء متحكما غير مفهوم، من العبث التمرد عليه، وليس من صفاته لا القداسة ولا الحب، ومع ذلك فقد ظهر مسلمون لا يرتاحون إلى هذا الدين الجاف، وإن في ظهور الفرق الصوفية التي انتشرت في الإسلام لشهادة بوجود الشوق إلى اتصال يكون أوثق بإله حي يفيض بالحب.
وهذه الكلمة صحيحة، لولا ما فيها من وصف الإسلام بالجفاف، وليس من الضروري أن تتصور الله رفيقا عطوفا في جميع الأحيان، فمن الجهل أن ننسى غضب الله على الأشقياء والظالمين، ولكن من الجهل أيضا أن لا تتمثل الله إلا وفي يده سوط، فالله لطيف جدا، وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم.