29
وبفضل اعتماد الصوفية على الخواطر وإهمال الشرع شاعت القالة بأنهم مجانين، ويروى عن الشافعي أنه قال: لو أن رجلا تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق،
30
وأنه قال: ما لزم أحد الصوفية أربعين يوما فعاد عقله إليه أبدا،
30
وكان يونس بن عبد الأعلى يقول: صحبت الصوفية ثلاثين سنة ما رأيت فيهم عاقلا إلا مسلما الخواص.
30
وعاب ابن القيم عليهم أن يقولوا (شريعة وحقيقة) وقال في تفنيد ذلك:
هذا قبيح؛ لأن الشريعة ما وضعه الحق لمصالح الخلق، فما الحقيقة بعدها سوى ما وقع في النفوس من إلقاء الشياطين، وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرور مخدوع، وإن سمعوا أحدا يروى حديثا قالوا: مساكين، أخذوا علمهم ميتا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت فمن قال حدثني أبي عن جدي قلت حدثني قلبي عن ربي، فهلكوا وأهلكوا بهذه الخرافات قلوب الأغمار، وأنفقت عليهم لأجلها الأموال؛ لأن الفقهاء كالأطباء والنفقة في ثمن الدواء صعبة، والنفقة على هؤلاء كالنفقة على المغنيات، وبغضهم الفقهاء أكبر الزندقة؛ لأن الفقهاء يحظرونهم بفتاويهم عن ضلالهم وفسقهم والحق يثقل كما تثقل الزكاة.
31
إلى آخر ما وعت جعبة ابن القيم من النبال.
أهل الظاهر وأهل الباطن
وابن القيم لم يفتر شيئا على الصوفية حين اتهمهم بازدراء أهل الفقه والحديث، فهم بالفعل يرون أنفسهم ورثة الأنبياء، ويسميهم إخوان الصفا «أولياء الله وعباده الصالحين» ويذكرون من صفاتهم أنهم لا يذكرون في مجالسهم وخلواتهم أحدا إلا الله، ولا يتفكرون إلا في مصنوعاته، ولا ينظرون إلا إلى فنون إحسانه، وعظيم إنعامه، وجميل آلائه، ولا يعملون إلا لله، ولا يخدمون إلا إياه، ولا يرغبون إلا إليه، ولا يرجون إلا منه ... وذلك أنهم يرونه رؤية الحق في جميع متصرفاتهم، ويشاهدونه في كل حالاتهم، لا يسمعون إلا منه، ولا ينظرون إلا إليه، ولا يرون غيره على الحقيقة. فمن أجل ذلك انقطعوا إليه عن الخلق، واشتغلوا بالخالق عن المخلوق وبالرب عن المربوب.
32
ويذكر إخوان الصفا أن نعت هؤلاء القوم ورد في آيات كثيرة من القرآن، وأن النبي أثنى عليهم فقال: «لا يزال في هذه الأمة أربعون رجلا من الصالحين على ملة إبراهيم الخليل
33
وأن هؤلاء الصالحين هم الذين سماهم الله في كتابه «أولي الألباب » و«أولي النهى» و«أولي الأبصار» فهم أولياء الله وأحباؤه، وإليهم أشار بقوله لإبليس
إن عبادي ليس لك عليهم سلطان
وإليهم أشار الرسول في وصيته لأبي هريرة بقوله: «عليك يا أبا هريرة بطريق أقوام إذا فزع الناس لم يفزعوا، وإذا طلب الناس الأمان من النار لم يخافوا» قال: من هم يا رسول الله صفهم لي حتى أعرفهم قال: قوم من أمتي في آخر الزمان يحشرون يوم القيامة محشر الأنبياء، إذا نظر إليهم الخلائق ظنوهم أنبياء حتى أعرفهم أنا بسيماهم فأقول: أمتي أمتي، ليعرف الخلائق أنهم ليسوا بأنبياء، ويمرون مثل البرق والريح، ويغشى أبصار الجميع نورهم. قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله مرني بمثل عملهم لعلي ألحق بهم. فقال الرسول: يا أبا هريرة، إن القوم ارتكبوا طريقا صعبا لحقوا بدرجة الأنبياء، آثروا الجوع بعدما أشبعهم الله، والعرى بعد ما كساهم الله تركوا ذلك رجاء ما عند الله، تركوا الحلال مخافة حسابه، صحبوا الدنيا بأبدانهم من غير أن تعلق بشيء منها قلوبهم، تعجب الأنبياء والملائكة من طاعتهم لربهم، فطوبى لهم، وددت أن الله جمع بيني وبينهم ... ثم بكى رسول الله شوقا إلى رؤيتهم».
34
أصل الخلاف
وهذا الكلام صريح في أن الصوفية يرون أنفسهم ورثة الأنياء، بل هو صريح في أنهم نظائر الأنبياء، وليس في هذا غرابة، فالصوفية من أوائل المتمردين على التقاليد الشرعية، وهذا التمرد فيه ضعف وفيه قوة، هو ضعف من حيث أنه يفتح باب الفوضى في عالم الأخلاق، ويمكن من لا يعرف من الخوض في الشؤون المعاشية والوجدانية بأحكام ما أنزل الله بها من سلطان، وهو قوة من حيث يدعو إلى قوة الشخصية والاحتكام إلى الوجدان.