تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كن فيكون ، وزعم هو وأصحابه أن ذلك خطاب بحرف وصوت يوجد من الله تعالى في كل لحظة بعدد كون كل مكون

20

وبلغ به الأمر أن منع تأويل قول الرسول: «الحجر الأسود يمين الله في أرضه» وقوله: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» وقوله: «إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن» وعند الغزالي أن ابن حنبل لم يمنع التأويل إلا رعاية لصالح الخلق، فإنه إذا فتح الباب اتسع الخرق وخرج الأمر عن الضبط وجاوز حد الاقتصاد، إذ حد الاقتصاد لا ينضبط.

20

أبو حمزة الصوفي

وما زال الفقهاء يمشون في طريق والصوفية في طريق حتى بعدت بينهم شقة الخلاف، واتفق أن كان العز بن عبد السلام يطعن على ابن عربي ويقول: هو زنديق، فقال له بعض أصحابه: أريد أن تريني القطب، فأشار إلى ابن عربي. فقال له: فأنت تطعن فيه؟ فأجاب: أصون ظاهر الشرع

21

ومعنى هذا أن ظاهر الشرع لا يعترف للصوفية بوجود صحيح.

وقال بعض الصوفية لأحد المريدين: إن كنت تريد الجنة فسر إلى ابن مدين، وإن كنت تريد رب الجنة فهلم إلي.

22

فالجنة طريقها الشرع، أما السبيل إلى الله فهو التصوف.

وكان ابن الكاتب إذا ذكر الروزباري يقول: سيدنا أبو علي. فقيل له في ذلك فقال: لأنه ذهب من علم الشريعة إلى علم الحقيقة. ونحن رجعنا من علم الحقيقة إلى علم الشريعة.

23

فالعلم الذي يسود صاحبه هو التصوف، أما الفقه فمحصول العامة من الناس.

وقيل لبعض الصوفية: كم يجب من الزكاة في مائتي درهم؟ فقال: أما على العوام بحكم الشرع فخمسة دراهم. وأما نحن فيجب علينا بذل الجميع.

24

وكانوا يقولون: أهل العلم على ضربين، عالم عامة، وعامة خاصة، فأما عالم العامة فهو المفتي في الحلال والحرام، وهؤلاء أصحاب الأساطين،

25

وأما عالم الخاصة فهو العالم بعلم التوحيد والمعرفة وهؤلاء أهل الزوايا وهم المنفردون.

26

ورفض المحاسبي أن يأخذ شيئا من ميراث أبيه، وكان ورث منه سبعين ألف درهم، وكان أبوه يقول بالقدر فرأى من الورع أن لا يأخذ من ميراثه شيئا. وقال: صحت الرواية عن النبي

صلى الله عليه وسلم

أنه قال: لا يتوارث أهل ملتين شيئا.

27

والشاهد في هذا الخبر أن الصوفية كانوا يرون أنفسهم ملة، ويرون مخالفيهم في الرأي ملة أخرى.

وكان ابن العفيف يقول: اقتدوا بخمسة من شيوخنا، والباقون سلموا لهم حالهم.

27

والخمسة الذين ذكرهم ابن العفيف جمعوا بين العلم والحقائق، فهم أهل للاقتداء، أما الباقون فوقفوا عند الحقائق فينبغي أن يسلم لهم حالهم؛ لأن لهم بدوات لا تعرفها الشريعة.

الزهد والتصوف

وما زال الخلاف بين الفرقتين يقوى ويشتد حتى رأينا من يقول: من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال.

28

ولو مضينا نستقصي ما كتب طعنا في الصوفية لطال بنا القول، ويكفي أن يعرف القارئ سر الخلاف، فأهل الظاهر يرون الشريعة قوانين محدودة منظمة يسهل الرجوع إليها في الفصل بين الناس، ولا كذلك التصوف فإن أهله يعتمدون على الخواطر ويستفتون القلوب، وليس في ذلك شيء مضبوط، وما يدركه هذا قد يجهله ذاك. ولو أضيفت سلطة الحكومة إلى الصوفية لسادت الظنون، وأصبح أمر الناس إلى فساد، واشتبكت مسالك اليقين.

وقد وضع ابن القيم كتابا نفيسا سماه «تلبيس إبليس» عرض فيه لأحوال الصوفية بالذم والتقريع، وهو كتاب يقوم على أساس الشرع والعقل، وقد عاب عليهم أن يظنوا أن المراد من رياضة النفوس هو قمع ما في البواطن من الصفات البشرية، مثل: قمع الشهوة والغضب وغير ذلك، وليس هذا مراد الشرع، ولا يتصور إزالة ما في الطبع بالرياضة، وإنما خلقت الشهوات لفائدة، فلولا شهوة الطعام لهلك الإنسان، ولولا شهوة النكاح لانقطع النسل، وكذلك حب المال مركوز في الطباع؛ لأنه يوصل إلى الشهوات. وإنما المراد كف النفس عما يؤذي من جميع ذلك وردها إلى الاعتدال فيه.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٣٧