تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نهاني حيائي منك أن أكشف الهوى

وأغنيتني بالقرب منك عن الكشف

تراءيت لي بالغيب حتى كأنما

تبشرني بالغيب أنك بالكف

أراك وبي من هيبتي لك وحشة

فتؤنسني بالعطف منك وباللطف

وتحيي محبا أنت في الحب حتفه

وذا عجب كون الحياة مع الحتف الحتف

15

وخرج جماعة من الصوفية يستقبلونه من مكة فإذا به قد شحب لونه فقال الجريري: يا سيدي، هل تتغير الأسرار إذا تغيرت الصفات؟ قال: معاذ الله، لو تغيرت الأسرار لتغير الصفات لهلك العالم، ولكنه ساكن الأسرار فحماها، وأعرض عن الصفات فلاشاها.

ثم ولى وهو يقول:

كما ترى صيرني

قطع قفار الدمن

شردني عن وطني

كأنني لم أكن

إذا تغيبت بدا

وإن بدا غيبني

يقول لا تشهد ما

يشهد أو تشهدني

16

حذيفة بن اليمان

تلك صورة تقريبية لنشأة التصوف في الأخلاق، ولنتذكر أن مؤرخي هذا العلم مجمعون على أن لفظ التصوف لم يعرف مصحوبا بالرسوم إلا في القرن الثاني، وإن كان منهم من أشار إلى أن اللفظ كان معروفا في القرن الأول،

17

وكانت صحبة رسول الله أشرف الألقاب، فاستغنوا بها عن الاتسام بالتصوف، ثم قيل القراء والزهاد والنساك والعباد، ثم قيل الصوفية.

18

والظاهر أن النساك كانوا فريقين: أحدهما: يتعبد في صمت، وثانيهما: يتعبد ويتفلسف، فالذين اكتفوا بحسن الخلق والزهد في الدنيا والتأدب بأدب الشرع لقبوا بالنساك والقراء والزهاد والعباد، والذين أقبلوا على دراسة النفوس وآفاتها، واهتموا بشرح ما يرد على القلب من الخواطر، وحرصوا على أن تكون لهم صبغة مذهبية، ولقبوا بالصوفية.

وهؤلاء وأولئك كان لهم وجود محسوس، وعرفت لهم مقامات في وعظ الخلفاء والوزراء، وكانت مذاهبهم بسيطة أول الأمر، ثم تعقدت وتشبعت بعد أن كثر اتصالهم بالناس، وطالت مجادلتهم لأهل الفقه والتوحيد.

الحسن البصري

ويمكن الحكم بأن أول مشكلة عقلية عرضت لأولئك القوم هي الظاهر والباطن، أو الشرع والحقيقة، وساعد على وجود هذه المشكلة ورود آيات في القرآن تحتاج إلى تأويل، من هذا قوله تعالى:

ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ، فالبليد يفتقر في فهمه إلى أن يقدر لهما حياة يخلقها الله للسماء واللأرض، وعقلا وفهما للخطاب، وخطابا هو صوت وحرف تسمعه السماء والأرض؛ فتجيبان بحرف وصوت وتقولان: أتينا طائعين، والبصير يعلم أن ذلك لسان الحال وأنه إنباء عن كونهما مسخرتين بالضرورة ومضطرتين إلى التسخير ... ومنه أيضا قوله تعالى:

وإن من شيء إلا يسبح بحمده

فالبليد

19

يفتقر فيه إلى أن يقدر للجمادات حياة وعقلا ونطقا بصوت وحرف حتى يقول سبحان الله ليتحقق تسبيحه، والبصير يعلم أنه ما أريد به نطق اللسان، بل كونه مسبحا بوجوده ومقدسا بذاته، وشاهدا بوحدانية الله سبحانه، كما يقال:

وفي كل شيء له آية

تدل على أنه واحد

وكما يقال هذه الصنعة المحكمة تشهد لصانعها بحسن التدبير وكمال العلم لا بمعنى أنها تقول أشهد بالقول، ولكن بالذات والحال ... فهي تشهد لخالقها بالتقديس، يدرك شهادتها ذوو البصائر دون الجاحدين، ولذلك قال تعالى:

ولكن لا تفقهون تسبيحهم .

20

قال الغزالي: وهذا الفن مما يتفاوت أرباب الظواهر وأرباب البصائر في علمه، وتظهر به مفارقة الباطن للظاهر، وفي هذا المقام لأرباب المقامات أسرار.

20

وكذلك يقال في قوله تعالى:

وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم

وقوله:

وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء

وكذلك المخاطبات التي تجري من منكر ونكير، وفي الميزان والصراط والحساب ومناظرات أهل النار وأهل الجنة في قولهم:

أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله .

20

فهذه وأمثالها مما اختلف فيه العلماء والصوفية، ففريق يقول: إن ذلك كله بلسان الحال، وفريق يحسهم الباب ويمنع التأويل، وقد غلا في ذلك أحمد ابن حنبل حتى منع تأويل قوله:

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٣٦