تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

وكانت أمه مولاة لأم سلمة زوج النبي

صلى الله عليه وسلم ،

8

ويقال: إنها ألقمته ثديها تعلله حين بكى فدر ثديها عليه، وكان كلامه يشبه بكلام رسول الله

صلى الله عليه وسلم

8

وكان أبو قتادة العدوي يقول: عليكم بهذا الشيخ، فو الله ما رأينا أحدا لم يصحب رسول الله

صلى الله عليه وسلم

أشبه بأصحاب رسول الله

صلى الله عليه وسلم

منه،

8

وكانوا يقولون: كنا نشبهه بهدي إبراهيم الخليل

صلى الله عليه وسلم

في حلمه وخشوعه ووقاره وسكينته، فكان على شمائله،

8

ونذت امرأة بالبصرة نذرا إن فعل الله تعالى ذلك بها أن تنسج من غزلها ثوبا، وصفته، وتكسوه خير أهل البصرة، فرأت تمام نذرها فوفت بما نذرت ثم سألت: من خير أهل البصرة؟ فقالوا: الحسن.

9

قال المكي: وكان الحسن رضي الله عنه أول من أنهج سبيل هذا العلم وفتق الألسنة به، ونطق بمعانيه، وأظهر أنواره، وكشف قناعه، وكان يتكلم فيه بكلام لم يسمعوه من أحد من إخوانه، فقيل له: يا أبا سعيد، إنك تتكلم في هذا العلم بكلام لم نسمعه من أحد غيرك، فممن أخذت هذا؟ فقال: من حذيفة بن اليمان.

10

والحسن البصري شخصية جذابة، ويقال إنه الشاب الذي أثنى عليه علي بن أبي طالب، فقد دخل جامع البصرة، وجعل يخرج القصاص، ويقول: القصص بدعة، فانتهى إلى حلقة شاب يتكلم على جماعة فاستمع إليه فأعجبه كلامه، فقال: يا فتى، أسألك عن شيئين فإن خرجت منهما تركتك تتكلم على الناس، وإلا أخرجتك كما أخرجت أصحابك. فقال: سل يا أمير المؤمنين، فقال: أخبرني ما صلاح الدين وما فساده؟ فقال: صلاحه الورع، وفساده الطمع. قال: صدقت، تكلم، فمثلك يصلح أن يتكلم على الناس.

10

وكان شديد الخوف من الله، ويقال: إنه ما ضحك أربعين سنة، وكان في حزنه كأنه أسير قدم ليضرب عنقه، وإذا تكلم حسبته يعاين الآخرة فيخبر عن مشاهدة، وإذا سكت ظننت النار تسعر بين عينيه، وعوتب في شدة حزنه، فقال: ما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع علي في بعض ما يكره فمقتني، فقال: اذهب فلا غفرت لك.

11

ومن كلامه وقد رأى هيئات الناس في أحد أيام رمضان: إن الله - تبارك وتعالى - جعل رمضان مضمارا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من الضاحك اللاعب في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، أما والله لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه، ومسيء بإساءته.

12

ونظر إلى قوم منصرفين من صلاة الفطر يتدافعون ويتضاحكون فقال: الله المستعان، إن كان هؤلاء قد تقرر عندهم أن صومهم قد تقبل فما هذا محل الشاكرين، وإن علموا أنه لم يقبل فما هذا محل الخائبين.

12

قال الحصري: ويقال إنه لم يكن تابعي أفضل منه، هذا قول أهل العراق جميعا، وأهل الحجاز يقدمون سعيد بن المسيب عليه، وكان سعيد أحسن من الحسن ورعا، وأشد الناس جزعا، وأقلهم كلاما، وكان الحسن لا يدع أن يتكلم بما هجس في نفسه، وجاش في صدره.

13

ونحن نعرف لم كان الحسن كثير الكلام؛ فقد كان معلما، والمعلمون أكثر الناس كلاما، ولا سيما إذا كانوا أصحاب مذاهب، وكان الحسن يعلم الناس أسرار القلوب، وكان يعرف أنه صاحب مذهب، وأن عليه أن يشرح ما فيه من دقائق وأسرار، وكذلك نجد اسمه في جميع مؤلفات الصوفية؛ لأنه المعلم، ولأن كلماته المأثورة تكاد تجل عن الإحصاء.

تصوف الرسول

والمفهوم من أحوال البصري أنه اهتم بشرح التصوف، وتكلم عن آفات النفوس، وقد مات سنة عشر ومئة، وهو بذلك أقدم الأشياخ عند الصوفية.

ويليه في المنزلة أبو حمزة الصوفي، وهو أستاذ البغداديين، وأول من تكلم ببغداد في مذاهب التصوف: من صفاء الذكر، وجمع الهمة، والمحبة، والشوق، والقرب، والأنس، لم يسبقه إلى الكلام بهذا على رءوس الناس ببغداد أحد.

14

وكان أبو حمزة من كبار القوم، وهو الذي يقول:

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٣٥